هواء ملوث… عقول مهددة: دراسة تكشف الخطر الخفي على صحة الإنسان
كشفت دراسات بريطانية حديثة عن جانب خطير وغير مرئي من أضرار التلوث الجوي، مشيرة إلى أنه لا يقتصر على زيادة معدلات الإصابة بالسرطان والأمراض القلبية والرئوية، بل يمتد ليطال وظائف الدماغ، مهددًا الذاكرة والقدرات الإدراكية.
التلوث الجوي، الذي يودي بحياة نحو 1.5 مليون شخص سنويًا حول العالم، يفاقم أيضًا مشكلات صحية قائمة ويؤدي إلى تدهور صحة الدماغ بشكل تدريجي. دراسة أجراها باحثون من جامعة كوليدج لندن ربطت بين التعرض لاثنين من الملوثات الشائعة، وهما ثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، وبين تراجع الأداء المعرفي لدى كبار السن في بريطانيا. ثاني أكسيد النيتروجين ينبعث بشكل رئيسي من المركبات والصناعات، أما الجسيمات الدقيقة فهي نواتج احتراق الوقود وتتميز بحجمها الصغير القادر على اختراق الجسم وصولًا إلى الدورة الدموية.
وبتحليل بيانات شملت أكثر من ربع قرن من المتابعة لمجموعة كبيرة من الأشخاص تجاوزوا الخمسين عامًا، توصل الباحثون إلى أن سكان المناطق الأكثر تلوثًا أظهروا مستويات أدنى من الكفاءة الإدراكية والتنفيذية، حتى بعد احتساب العوامل الجغرافية والاجتماعية.
ورغم أن العلاقة بين التلوث وتراجع وظائف الدماغ لا تعني بالضرورة وجود سبب مباشر، إلا أن الباحثين أبدوا ثقة كبيرة في النتائج، مؤكدين أن التلوث قد يؤدي إلى تغييرات بيولوجية في الفص الصدغي للدماغ، المسؤول عن الذاكرة والعواطف واللغة. كما ربطت أبحاث إضافية بين الملوثات وتأثيرها السلبي على الجهاز العصبي المركزي والدورة الدموية.
وتحذر باولا زانينوتو، الإحصائية الطبية والاجتماعية المشاركة في الدراسة، من أن استمرار التعرض لهذا النوع من التلوث سيؤدي مع مرور الزمن إلى تفاقم معدلات الخرف، داعية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لعكس هذا الاتجاه المقلق. ومع أن بعض التحسن في مستويات التلوث قد سُجل منذ عام 2010، إلا أن مستويات الجسيمات الدقيقة لا تزال تتجاوز الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، حتى في أكثر البيئات “نظافة”.
وتبقى الخلاصة صادمة: رغم الجهود المبذولة، لا يزال الهواء الذي نتنفسه بعيدًا عن أن يكون آمنًا لصحتنا العقلية، ما يفرض تحديات كبيرة أمام صناع القرار والباحثين في الصحة العامة حول العالم.
فاطمة الزهراء عاشور