الميكروسينات: أمل جديد في مواجهة مقاومة البكتيريا لمضادات الميكروبات
تشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون شخص يموتون سنويًا بسبب العدوى الناتجة عن البكتيريا المقاومة لمضادات الميكروبات، وهو تحدٍ صحي عالمي متزايد. في الوقت نفسه، لم تواكب اكتشافات المضادات الحيوية الجديدة سرعة انتشار هذه العدوى، مما يزيد من تعقيد الوضع. لكن هناك بصيص أمل يلوح في الأفق، إذ اكتشف باحثون من جامعة تكساس في أوستن فئة من المضادات الحيوية الطبيعية تُسمى “الميكروسينات”، وهي مواد تنتجها البكتيريا المعوية وتستخدمها في منافسة البكتيريا الأخرى.
في دراستين حديثتين، كشف الباحثون عن أول ميكروسين يستهدف السلالات البكتيرية المسؤولة عن مرض الكوليرا، كما طوروا طريقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد المزيد من الميكروسينات في الجينومات البكتيرية.
يشرح البروفيسور برايان ديفيز، أستاذ العلوم البيولوجية الجزيئية وقائد الأبحاث: “تخيل تناول زبادي يحتوي على سلالات بروبيوتيكية من البكتيريا المنتجة للميكروسينات التي قد تساهم في الوقاية أو العلاج من الكوليرا، الإشريكية القولونية الممرضة، الأمراض الالتهابية المزمنة للأمعاء، أو حتى سرطان القولون.” الفكرة هنا هي إدخال بكتيريا صحية إلى الأمعاء تكون قادرة على إنتاج هذه المضادات الحيوية الطبيعية بشكل مستمر لمحاربة البكتيريا الممرضة.
نُشرت الأبحاث حول الكوليرا في مجلة Cell Host & Microbe، وقادها الباحث سون يونغ كيم. الكوليرا، التي تسببها بكتيريا Vibrio cholerae، هي مرض مميت يؤدي إلى الجفاف الحاد ويمكن أن يودي بحياة المصابين خلال ساعات. وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الوفيات الناجمة عن الكوليرا بما يتراوح بين 21,000 و143,000 حالة سنويًا.
ما يميز الميكروسينات هو استهدافها الدقيق للبكتيريا الضارة فقط، بعكس المضادات الحيوية التقليدية التي تقتل البكتيريا الجيدة والسيئة على حد سواء. هذا الانتقائية تجعل الميكروسينات قادرة على الحفاظ على التوازن الصحي للميكروبيوم المعوي لدى الإنسان، والذي يعتبر أساسياً للصحة العامة.
إحدى أكبر التحديات هي اكتشاف هذه الميكروسينات في الجينومات البكتيرية نظرًا لقصر تسلسلاتها الجينية. اعتمد فريق البحث على بروتين يُسمى “PCAT”، والذي يساعد في نقل الميكروسينات من البكتيريا المنتجة لها إلى البكتيريا المستهدفة. من خلال هذه الطريقة، اكتشف الباحثون حوالي 20 ميكروسين مرشحًا، أظهرت إحداها – وتُدعى “MvcC” – قدرةً على قتل السلالات الممرضة لبكتيريا V. cholerae.
كما اكتشف الباحثون أن البكتيريا المنتجة لهذه الميكروسينات تنتج أيضًا نوعًا من “المضاد” لحماية نفسها من تأثيرها السام. وفي تجارب على الفئران، تفوقت السلالات المنتجة للميكروسينات على غيرها في مواجهة البكتيريا الممرضة.
الميكروسينات تعد واعدة جدًا كأداة جديدة في مكافحة العدوى البكتيرية المقاومة للأدوية، بفضل استهدافها الدقيق للبكتيريا الممرضة وحفاظها على توازن ميكروبيوم الأمعاء، مما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج الأمراض المزمنة والمعدية.
مالك سعدو