الالتهاب الصامت.. العدو الخفي الذي يمهّد للأمراض المزمنة دون إنذار

في الوقت الذي يعتقد فيه كثيرون أن الالتهاب لا يظهر إلا من خلال الألم أو التورم أو ارتفاع الحرارة، يحذر أطباء وخبراء صحة من نوع آخر أكثر خطورة يُعرف بـ”الالتهاب الصامت”، وهو التهاب مزمن منخفض الدرجة قد يستمر لسنوات داخل الجسم من دون أعراض واضحة، قبل أن يتحول إلى أرضية خصبة للإصابة بأمراض خطيرة مثل السكري وأمراض القلب والسمنة واضطرابات التمثيل الغذائي.

ويؤكد مختصون أن الالتهاب في حد ذاته ليس دائماً أمراً سلبياً، بل يمثل في الحالات الطبيعية آلية دفاعية يستخدمها الجهاز المناعي لمواجهة العدوى أو إصلاح الأنسجة المتضررة. غير أن المشكلة تبدأ عندما يبقى الجسم في حالة “استنفار” دائم، حتى في غياب إصابة أو عدوى حقيقية، ما يؤدي تدريجياً إلى إنهاك الأعضاء وتلف الخلايا على المدى الطويل.

وبحسب تقارير طبية حديثة، أصبح الالتهاب الصامت من أكثر القضايا الصحية التي تستقطب اهتمام الباحثين، خاصة مع الارتفاع العالمي في معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب. فالعادات الغذائية الحديثة، المعتمدة على الأطعمة المصنعة والسكريات والدهون المشبعة، إلى جانب قلة النشاط البدني والتوتر المزمن واضطرابات النوم، كلها عوامل تساهم في إبقاء الجسم في حالة التهاب مستمر.

ويرى أطباء أن نمط الحياة العصري لعب دوراً أساسياً في تفاقم الظاهرة، إذ لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بما نأكله، بل أيضاً بطريقة عيشنا اليومية. فالإجهاد النفسي المستمر، وقلة النوم، والجلوس لساعات طويلة، والتعرض الدائم للضغط، كلها عناصر تؤثر بشكل مباشر على توازن الجهاز المناعي، وتدفعه إلى إطلاق مواد التهابية بشكل متواصل.

وتكمن خطورة الالتهاب الصامت في صعوبة اكتشافه، لأنه لا يرسل إشارات واضحة كما يحدث في الالتهابات الحادة. لذلك غالباً ما يُكتشف عبر تحاليل مخبرية تقيس بعض المؤشرات الحيوية المرتبطة بالالتهاب، مثل البروتين المتفاعل C عالي الحساسية، أو لدى أشخاص يعانون من السمنة، خاصة تراكم الدهون في منطقة البطن، ومقاومة الأنسولين، والإرهاق المزمن واضطرابات النوم.

ويشير مختصون إلى أن بعض الأعراض التي يستهين بها كثير من الناس، مثل التعب المستمر، وضعف التركيز، واضطرابات الهضم، والشعور بالإرهاق رغم الراحة، قد تكون مؤشرات مبكرة على وجود التهاب مزمن داخل الجسم.

ورغم القلق المتزايد من هذه الظاهرة، يؤكد الخبراء أن الوقاية تبقى ممكنة من خلال تغييرات بسيطة لكنها فعالة في نمط الحياة، أبرزها اعتماد نظام غذائي متوازن غني بالخضر والفواكه والأطعمة الطازجة، وتقليل استهلاك المنتجات الصناعية والسكريات، إلى جانب ممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، والحد من التوتر النفسي، والإقلاع عن التدخين.

ويبدو أن الطب الحديث يتجه اليوم أكثر نحو التركيز على الوقاية والكشف المبكر، بعدما أثبتت الأبحاث أن كثيراً من الأمراض المزمنة لا تبدأ فجأة، بل تتطور بصمت داخل الجسم لسنوات، في ظل التهاب خفي لا يشعر به الإنسان إلا بعد فوات الأوان.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد