الكزاز.. هل يكفي جرح صغير للإصابة بمرض قد يهدد الحياة؟

قد يتعرض شخص لجرح أثناء العمل في الحديقة أو إصلاح أحد الأجهزة المنزلية، فيكتفي بتنظيفه ووضع ضمادة عليه، معتقدًا أن الأمر لا يستدعي القلق. لكن بعض الجروح، خاصة عندما تكون عميقة أو ملوثة بالتراب، قد تشكل مدخلًا لبكتيريا تسبب مرض الكزاز، المعروف أيضًا باسم التيتانوس. وتزداد خطورة الوضع عندما يكون المصاب غير ملقح أو لا يتذكر موعد آخر جرعة تلقاها.

ويُعد الكزاز مرضًا بكتيريًا خطيرًا يصيب الجهاز العصبي، وتسببه سموم تنتجها بكتيريا تُعرف علميًا باسم Clostridium tetani. وتوجد أبواغ هذه البكتيريا في البيئة، خاصة في التربة والغبار ومخلفات الحيوانات، ويمكنها دخول الجسم عبر الجروح أو الخدوش الملوثة.

وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، فإن الصدأ في حد ذاته لا يسبب الكزاز. فالخطر لا يرتبط بكون المسمار أو الأداة المعدنية صدئة، وإنما باحتمال تلوث الجرح بأبواغ البكتيريا. وقد تكون الجروح العميقة والضيقة، مثل تلك الناتجة عن الوخز بمسمار، أكثر خطورة لأنها قد توفر ظروفًا مناسبة لنمو البكتيريا.

ولا ينتقل الكزاز من شخص إلى آخر، على عكس كثير من الأمراض المعدية التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح. ولهذا فإن الحماية تعتمد أساسًا على المناعة الفردية، ولا يمكن للشخص غير الملقح الاعتماد على تلقيح المحيطين به لتجنب الإصابة.

وتتمثل خطورة المرض في السم العصبي الذي تنتجه البكتيريا بعد دخولها الجسم، إذ يؤثر في الأعصاب المسؤولة عن التحكم في العضلات. وقد تظهر الأعراض بعد عدة أيام من الإصابة، وغالبًا خلال أسبوعين، وتبدأ أحيانًا بتشنج عضلات الفك وصعوبة فتح الفم، قبل أن تمتد إلى عضلات الرقبة والظهر وأجزاء أخرى من الجسم.

وفي الحالات الشديدة، قد تحدث تقلصات عضلية مؤلمة وصعوبات في البلع والتنفس، ما يجعل الكزاز حالة طبية استعجالية تستدعي العلاج داخل المستشفى، وقد يحتاج بعض المرضى إلى الرعاية المركزة.

ورغم خطورته، يمكن الوقاية من الكزاز بفضل التلقيح. لكن الحماية التي يوفرها اللقاح تحتاج إلى المحافظة عليها من خلال الجرعات الأساسية والجرعات التذكيرية الموصى بها. ولهذا فإن تلقي اللقاحات خلال الطفولة لا يعني بالضرورة استمرار الحماية الكافية طوال الحياة إذا لم تُستكمل الجرعات اللاحقة.

وتوصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، على سبيل المثال، بجرعة تذكيرية كل عشر سنوات لدى البالغين الذين استكملوا التلقيح الأساسي. وقد تكون هناك حاجة إلى جرعة إضافية في وقت أقرب عند التعرض لبعض الجروح الملوثة أو العميقة، إذا مرت خمس سنوات أو أكثر على آخر جرعة. وتختلف كيفية تطبيق هذه التوصيات بحسب التاريخ التلقيحي للشخص والبرنامج الوطني المعتمد.

أما عندما يتعرض شخص لجرح ولا يعرف ما إذا كان قد تلقى اللقاح سابقًا، فإن الخطوة المناسبة لا تتمثل في انتظار ظهور الأعراض، وإنما في طلب تقييم طبي لتحديد حاجته إلى التلقيح أو إلى حماية إضافية.

وفي بعض الحالات، خاصة عند وجود جروح ملوثة لدى أشخاص لم يستكملوا التلقيح الأساسي أو يجهلون تاريخهم التلقيحي، قد يقرر الطبيب إعطاء الغلوبولين المناعي المضاد للكزاز. وهو مستحضر يحتوي على أجسام مضادة توفر حماية فورية مؤقتة، بخلاف اللقاح الذي يحفز الجسم على تكوين مناعته الخاصة.

ومن الضروري أيضًا تنظيف الجرح جيدًا بالماء الجاري وإزالة الأوساخ الظاهرة، مع تجنب استعمال مواد أو وصفات منزلية قد تؤدي إلى تهيج الأنسجة. وإذا كان الجرح عميقًا أو ملوثًا أو ناتجًا عن وخز، ينبغي طلب التقييم الطبي في أقرب وقت، حتى لو بدا صغيرًا أو لم يكن مؤلمًا.

ويؤكد المختصون أن المضادات الحيوية لا تعوض التلقيح أو الغلوبولين المناعي عند الحاجة إليهما. كما أن الإصابة السابقة بالكزاز لا تمنح الجسم مناعة كافية ضد المرض، ولذلك يحتاج الأشخاص الذين تعافوا منه إلى التلقيح أيضًا.

وتبرز أهمية الوقاية خصوصًا لدى البالغين الذين لم يراجعوا وضعيتهم التلقيحية منذ سنوات طويلة. فقد يتذكر كثيرون أنهم تلقوا لقاحات في المدرسة، لكنهم لا يعرفون ما إذا كانوا قد استكملوا الجرعات المطلوبة أو متى تلقوا آخر جرعة تذكيرية.

ولهذا فإن مراجعة دفتر التلقيح أو الاستفسار لدى مركز صحي عن الجرعات اللازمة لا ينبغي أن ينتظر وقوع حادث. فالوقاية من الكزاز تبدأ قبل الإصابة، وتبقى أسهل وأكثر أمانًا من علاج مرض قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة رغم توفر الرعاية الطبية.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد