عودة الحصبة إلى الانتشار عالميًا.. لماذا لا يزال التلقيح ضروريًا؟
تعود الحصبة إلى الانتشار في عدد من دول العالم، رغم توفر لقاح فعال ضدها منذ أكثر من ستة عقود. فقد سجلت الولايات المتحدة 4852 إصابة مؤكدة منذ بداية سنة 2026 إلى غاية 29 أكتوبر، وفق أحدث بيانات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، بينما شهدت دول أوروبية وآسيوية وأفريقية تسجيل إصابات وحملات تلقيح للحد من انتشار المرض. ويثير هذا الوضع تساؤلًا مهمًا: لماذا تستمر الحصبة في التسبب بأوبئة رغم إمكانية الوقاية منها بالتطعيم؟
تُعد الحصبة من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى، إذ تنتقل عبر الهواء عندما يتنفس المصاب أو يسعل أو يعطس. ويمكن للفيروس أن يبقى في الهواء داخل الأماكن المغلقة لمدة تصل إلى ساعتين بعد مغادرة الشخص المصاب. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن شخصًا واحدًا مصابًا بالحصبة يمكنه نقل العدوى إلى عدد كبير من الأشخاص غير المحصنين، ما يجعل انتشارها سريعًا عندما تتراجع التغطية بالتلقيح.
وتبدأ أعراض المرض عادة بارتفاع الحرارة والسعال وسيلان الأنف واحمرار العينين، قبل ظهور طفح جلدي يبدأ غالبًا من الوجه وينتشر تدريجيًا إلى بقية الجسم. ورغم أن بعض المصابين يتعافون دون مضاعفات، فإن الحصبة ليست مجرد مرض جلدي عابر، فقد تؤدي إلى التهاب الرئة أو التهاب الدماغ، وقد تتسبب في الوفاة، خاصة لدى الأطفال الصغار والأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن نحو 95 ألف شخص توفوا بسبب الحصبة خلال سنة 2024، معظمهم من الأطفال دون الخامسة، رغم وجود لقاح آمن وفعال. وتكشف هذه الأرقام أن تراجع الإصابات خلال العقود الماضية لم يكن نتيجة اختفاء الفيروس، وإنما بفضل برامج التلقيح التي حدّت من انتشاره.
ويكمن أحد أسباب عودة المرض في وجود أطفال لم يتلقوا اللقاح أصلًا، وآخرين لم يستكملوا الجرعات المطلوبة. فالحماية بعد الجرعة الأولى تكون مرتفعة، لكنها لا تشمل جميع الأشخاص، ولذلك توصي منظمة الصحة العالمية بتلقي جرعتين لضمان حماية أفضل وتقليل خطر انتشار العدوى.
وتشير بيانات المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها إلى أن أكثر من 70 بالمائة من المصابين بالحصبة الذين عُرفت حالتهم التلقيحية في إحدى فترات الرصد الأخيرة لم يكونوا ملقحين. وتؤكد هذه المعطيات أهمية المحافظة على تغطية مرتفعة بالتطعيم، لأن تراكم الأشخاص غير المحصنين داخل مجتمع واحد يتيح للفيروس فرصة الانتشار مجددًا.
ولا تقتصر أهمية التلقيح على حماية الشخص الذي يتلقى الجرعات، بل تمتد إلى حماية الآخرين، خاصة الرضع الذين لم يبلغوا بعد السن المحددة للتطعيم، وكذلك الأشخاص الذين لا يستطيعون تلقي بعض اللقاحات لأسباب طبية. وكلما ارتفعت نسبة المحصنين، تراجعت فرص انتقال الفيروس داخل المجتمع.
أما بالنسبة للأولياء الذين اكتشفوا أن أطفالهم لم يستكملوا التلقيح ضد الحصبة، فإن تأخر إحدى الجرعات لا يعني بالضرورة ضرورة إعادة برنامج التطعيم من البداية. ويمكن مراجعة مركز التلقيح لتحديد الجرعات الناقصة واستكمالها وفق الجدول الوطني المعتمد. وينطبق الأمر أيضًا على البالغين الذين لا يعرفون حالتهم التلقيحية، خاصة عند التخطيط للسفر إلى مناطق تشهد انتشار المرض.
ومن المهم التذكير بأن لقاح الحصبة لا يسبب المرض لدى الأشخاص الأصحاء الذين تسمح حالتهم الصحية بتلقيه، وأن آثاره الجانبية تكون غالبًا خفيفة ومؤقتة، مثل الألم في موضع الحقن أو ارتفاع بسيط في الحرارة. ومع ذلك، توجد حالات طبية تستدعي تجنب اللقاح الحي أو تأجيله، ولذلك ينبغي الالتزام بتوصيات المختصين.
وتُظهر عودة الحصبة إلى الانتشار أن الأمراض التي تراجعت بفضل التلقيح يمكن أن تعود عندما تنخفض مستويات الحماية الجماعية. فاللقاحات لا تجعل الفيروسات تختفي تلقائيًا، لكنها تقلل فرص انتقالها وتحمي من مضاعفاتها الخطيرة، وهو ما يجعل الالتزام بالتطعيم واستكمال الجرعات وسيلة أساسية لحماية صحة الأطفال والمجتمع.
فاطمة الزهراء عاشور