للوقاية من السرطان.. خبراء منظمة الصحة العالمية يطرحون إمكانية التلقيح ضد فيروس الورم الحليمي ابتداءً من سن الرابعة
قد تبدأ الوقاية من بعض أنواع السرطان في سن أبكر مما كان معمولاً به حتى الآن. فقد فتح خبراء منظمة الصحة العالمية الباب أمام إمكانية تلقيح الفتيات ضد فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ابتداءً من سن الرابعة، بدلاً من الاقتصار على الفئة العمرية التي تتراوح بين 9 و14 سنة، في خطوة تهدف إلى توسيع الحماية من العدوى الفيروسية المرتبطة بعدة أنواع من السرطان، وفي مقدمتها سرطان عنق الرحم.
وجاء هذا التوجه عقب اجتماع المجموعة الاستشارية الاستراتيجية للخبراء المعنية بالتلقيح (SAGE)، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، خلال الفترة من 5 إلى 8 أكتوبر 2026، حيث راجع الخبراء أحدث المعطيات العلمية المتعلقة بفعالية اللقاحات وسبل تحسين التغطية بالتلقيح على المستوى العالمي.
ولا تعني هذه التوصية أن تلقيح الأطفال ابتداءً من الرابعة أصبح إجراءً إلزامياً أو معتمداً في جميع البلدان، بل يتعلق الأمر بخيار يمكن للسلطات الصحية دراسته بالنسبة للفتيات بين 4 و8 سنوات، إذا كان من شأنه رفع معدلات الإقبال على التلقيح. وتبقى الفئة العمرية من 9 إلى 14 سنة الهدف الأساسي لبرامج الوقاية، مع ترجيح اعتماد جرعة واحدة لدى الفتيات في هذه السن، استناداً إلى الأدلة العلمية المتاحة حول فعاليتها في توفير الحماية.
ويُعد فيروس الورم الحليمي البشري من الفيروسات واسعة الانتشار، وينتقل أساساً عن طريق الاتصال الجنسي. ورغم أن معظم الإصابات تختفي تلقائياً بفضل الجهاز المناعي، فإن استمرار العدوى ببعض الأنواع عالية الخطورة قد يؤدي، بعد سنوات، إلى تغيرات في الخلايا تتطور أحياناً إلى أورام سرطانية. ويُعد الفيروس السبب الرئيسي لسرطان عنق الرحم، كما يرتبط ببعض سرطانات الشرج والأعضاء التناسلية والفم والبلعوم.
وتكمن أهمية التلقيح المبكر في توفير الحماية قبل التعرض للفيروس، وليس في علاج عدوى قائمة. ولذلك تركز برامج الوقاية على الأطفال والمراهقين قبل مرحلة النشاط الجنسي، بما يسمح للجهاز المناعي بتكوين استجابة وقائية في وقت مبكر. ولا يغني التلقيح عن الفحوصات الدورية للكشف عن سرطان عنق الرحم عند بلوغ السن المعنية بها.
وتأتي مقترحات الخبراء في ظل استمرار ضعف التغطية العالمية بالتلقيح ضد فيروس الورم الحليمي، إذ لا تتجاوز 33 بالمائة، وفق المعطيات التي عرضتها المجموعة الاستشارية، بينما تسعى منظمة الصحة العالمية إلى بلوغ نسبة 90 بالمائة من الفتيات قبل سن الخامسة عشرة. ويُنظر إلى الاكتفاء بجرعة واحدة باعتباره وسيلة لتبسيط الحملات الصحية وتقليص تكاليفها، بما يتيح الوصول إلى عدد أكبر من المستفيدات، خاصة في البلدان التي تواجه صعوبات في توفير اللقاحات وتنظيم حملات التلقيح.
كما اقترح الخبراء توسيع الاستفادة تدريجياً لتشمل النساء اللواتي لم يسبق تلقيحهن، مع إعطاء الأولوية للفئات حتى سن 25 عاماً، ثم حتى 30 عاماً، إلى جانب إمكانية إدراج الفتيان بين 9 و14 سنة ضمن برامج الوقاية. غير أن الأشخاص الذين يعانون ضعفاً في المناعة يظلون بحاجة إلى نظام تلقيح متعدد الجرعات وفق حالتهم الصحية.
وفي الجزائر، تكتسي هذه التطورات أهمية خاصة، بعد إدراج اللقاح المضاد لفيروس الورم الحليمي البشري ضمن الرزنامة الوطنية للتلقيح بالنسبة للفئة العمرية من 11 إلى 13 سنة، بموجب قرار وزارة الصحة المؤرخ في 28 أفريل 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 17 ماي من السنة نفسها. ولا يتضمن هذا القرار توسيع التلقيح إلى الأطفال ابتداءً من الرابعة، كما أن المقترحات الدولية الجديدة لا تعني تغييراً تلقائياً في البرنامج الوطني.
وتطرح هذه المستجدات تحديات تتجاوز تحديد السن المناسبة للتلقيح، وتتعلق أساساً بكيفية ضمان وصول اللقاح إلى الفئات المستهدفة، وتوفير معلومات دقيقة للأولياء، وتعزيز الثقة في الوقاية الصحية. كما أن تطبيق خيار التلقيح قبل سن التاسعة يستدعي مراعاة التراخيص التنظيمية والمعطيات العلمية، باعتبار أن اللقاحات المتداولة مرخصة عموماً ابتداءً من سن التاسعة.
وبين توسيع الفئات المستفيدة وتبسيط عدد الجرعات، تتجه الجهود الدولية نحو جعل الوقاية من سرطان عنق الرحم أكثر انتشاراً وأقل ارتباطاً بالإمكانات الاقتصادية للبلدان، انطلاقاً من حقيقة طبية أساسية مفادها أن حماية الأطفال من عدوى فيروسية اليوم يمكن أن تساهم في تجنب الإصابة بالسرطان بعد عقود.
مريم عزون