الصحة النفسية للمرأة تحت المجهر في مؤتمر دولي بالجزائر
من الاكتئاب الذي قد يلي الولادة إلى الاضطرابات النفسية المرتبطة بالعنف والضغوط الاجتماعية، تواجه النساء تحديات صحية لا يمكن فهمها بالاعتماد على الأعراض وحدها، بل تستدعي مراعاة العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تؤثر في حياتهن. هذه المقاربة ستكون محور مؤتمر دولي تحتضنه الجزائر العاصمة يومي 22 و23 أكتوبر الجاري، بمشاركة أطباء نفسيين وخبراء من تخصصات طبية مختلفة.
وينظم المؤتمر، الذي يحمل عنوان «الطب النفسي لدى المرأة: من الخصوصية البيولوجية إلى التعقيد السريري»، الجمعية الجزائرية للأطباء النفسانيين الممارسين في القطاع الخاص (AAPEP)، بفندق ميركيور بباب الزوار، لمناقشة خصوصيات الصحة النفسية للنساء والتحديات التي تواجه التشخيص والعلاج، في ضوء التطورات العلمية وتجارب الممارسة الطبية.
ويركز اللقاء على الاختلافات التي قد تميز بعض الاضطرابات النفسية لدى النساء، سواء من حيث عوامل الخطورة أو طبيعة الأعراض أو الاستجابة للعلاج. ويتناول المشاركون الخصائص العصبية والبيولوجية لهذه الاضطرابات، إلى جانب تأثير الظروف الاجتماعية والثقافية في الصحة النفسية، مع التوقف عند واقع التكفل بالنساء في إفريقيا والتحديات المرتبطة بالحصول على الرعاية المناسبة.
ويحتل العنف ضد النساء مكانة بارزة في البرنامج العلمي، من خلال مناقشة آثاره النفسية طويلة المدى وسبل مساعدة الضحايا على تجاوز التجارب الصادمة. كما يستعرض المختصون عددًا من الأساليب العلاجية، بينها العلاج المعرفي السلوكي والعلاج القائم على القبول والالتزام والعلاج السلوكي الجدلي، مع التركيز على دورها في التعامل مع الصدمات النفسية واضطرابات المشاعر وبعض اضطرابات الشخصية.
وتشكل فترة الحمل وما بعد الولادة محورًا أساسيًا آخر، بالنظر إلى ما قد يصاحبها من تغيرات نفسية وجسدية تستدعي متابعة ملائمة. وفي هذا السياق، يناقش المؤتمر اكتئاب ما بعد الولادة، والتحديات المرتبطة بوصف الأدوية النفسية خلال الحمل والرضاعة، وكيفية الموازنة بين ضرورة علاج الأم وحماية صحتها وصحة طفلها. كما خُصصت جلسة مشتركة بين أطباء نفسيين وأخصائيي أمراض النساء والتوليد والطب الشرعي لبحث الجوانب الطبية والأخلاقية والقانونية للإنهاء العلاجي للحمل في الجزائر.
ومن بين المواضيع المطروحة أيضًا استعمال الليثيوم في علاج الاضطراب ثنائي القطب، بما يشمل فعاليته ومراقبة آثاره الجانبية ومتطلبات المتابعة الطبية. ويتيح البرنامج كذلك الاستماع إلى شهادة امرأة تعيش مع هذا الاضطراب، بما يسلط الضوء على تجربة المرض من منظور المريضة، وليس فقط من زاوية التشخيص والعلاج.
وسيكون واقع الطب النفسي في الجزائر حاضرًا من خلال تقديم نتائج أولية لدراسة حول الإدمان لدى النساء، أُنجزت لدى أطباء نفسيين ممارسين في القطاع الخاص، فضلًا عن مداخلة تتناول تاريخ الطب النفسي خلال الحقبة الاستعمارية وانعكاساته على الممارسة الحالية. كما يتضمن المؤتمر محاضرة خاصة حول التشخيص المبكر لمرض ألزهايمر والخيارات العلاجية المتاحة.
ومن خلال هذه المحاور، يسلط المؤتمر الضوء على ضرورة تجاوز النظرة الموحدة إلى الاضطرابات النفسية، والاهتمام بالخصوصيات الصحية والاجتماعية للمرأة عند وضع خطط العلاج والمتابعة. ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في ظل استمرار الوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرض النفسي، وما قد تفرضه من تأخر في طلب المساعدة، خصوصًا لدى النساء اللواتي يواجهن العنف أو اضطرابات نفسية مرتبطة بالحمل والولادة.
ويبقى الرهان الأهم هو مدى انعكاس هذه النقاشات العلمية على الممارسة اليومية، من خلال تحسين الكشف المبكر، وتطوير التنسيق بين التخصصات الطبية، وتسهيل وصول النساء إلى رعاية نفسية تراعي احتياجاتهن وتحفظ خصوصيتهن وكرامتهن.
مريم عزون