العصائر ليست بديلاً بريئاً عن الفاكهة… ما نستهلكه في الطفولة قد يلاحق ضغط الدم حتى سن الرشد
قد يبدو كوب عصير الفواكه خياراً أكثر صحة من المشروبات الغازية، خصوصاً عندما يُقدَّم للأطفال والمراهقين باعتباره مستخلصاً من الفاكهة. غير أن دراسة واسعة امتدت متابعتها لسنوات طويلة تضع هذا التصور موضع مراجعة، بعدما وجدت أن الاستهلاك المرتفع للعصائر، شأنه شأن المشروبات المحلاة بالسكر، يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بضغط الدم في مرحلة لاحقة من الحياة، بينما لم تظهر العلاقة نفسها عند تناول الفاكهة كاملة.
الدراسة، المنشورة في مجلة Circulation العلمية، تابعت 25 ألفاً و749 شخصاً منذ مرحلة الطفولة والمراهقة وصولاً إلى سن الرشد. وكان متوسط أعمار المشاركين نحو 12 عاماً في بداية المتابعة، ليصل إلى نحو 36 عاماً في نهايتها، فيما امتدت فترة الرصد لدى بعضهم إلى 25 سنة. وخلال هذه الفترة، كان الباحثون يجمعون بصورة دورية معلومات عن النظام الغذائي ونمط الحياة والحالة الصحية للمشاركين.
واللافت في النتائج أن القضية لا تبدو مرتبطة بالسكر أو بالفركتوز وحدهما بقدر ما تتعلق بالمصدر الذي يأتي منه هذا السكر. فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين كانوا يستهلكون كميات مرتفعة من المشروبات المحلاة بالسكر، تعادل حصتين أو أكثر يومياً، سجلوا خطراً أعلى للإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة بلغت نحو 52 في المائة مقارنة بمن كانوا يتناولون أقل من ثلاث حصص أسبوعياً.
ولم تكن عصائر الفواكه بمنأى عن هذه العلاقة. فالأشخاص الذين بلغ استهلاكهم منها نحو حصة ونصف يومياً أو أكثر سجلوا زيادة بنحو 35 في المائة في خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، مقارنة بمن كانوا يستهلكون أقل من حصة واحدة أسبوعياً.
وخلال فترة المتابعة، أبلغ 1625 مشاركاً، أي نحو 6.3 في المائة من العينة، عن تشخيصهم بارتفاع ضغط الدم. وحاول الباحثون في تحليلاتهم أخذ عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في النتائج بعين الاعتبار، من بينها نوعية النظام الغذائي والنشاط البدني وعدد من العادات المرتبطة بنمط الحياة.
لكن الصورة تغيرت عندما انتقل التحليل من العصير إلى الفاكهة الكاملة. فالدراسة لم تجد ارتباطاً ذا دلالة إحصائية بين تناول الفاكهة كاملة وزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، رغم احتوائها بدورها على الفركتوز. وهذه النتيجة هي التي تمنح الدراسة أهميتها، لأنها تشير إلى أن الجسم لا يتعامل بالضرورة بالطريقة نفسها مع السكر عندما يكون جزءاً من ثمرة كاملة وعندما يصل في صورة سائل.
ويفسر الباحثون هذا الاختلاف بأن الفاكهة الكاملة لا توفر السكر فقط، بل تحتوي أيضاً على الألياف ومجموعة من المغذيات، إضافة إلى أن بنيتها تجعل امتصاص السكريات مختلفاً عن تناولها في صورة مشروب. أما العصير، حتى عندما لا يكون من المشروبات الغازية التقليدية، فيسمح عادة باستهلاك كمية أكبر من السكريات بسرعة أكبر، مع فقدان جانب مهم من الألياف الموجودة في الثمرة الأصلية.
وتدعم النتائج هذه الفكرة أيضاً من خلال محاكاة ما يمكن أن يحدث عند استبدال المشروبات المعتادة بخيارات أخرى. فقد ارتبط استبدال حصة يومية واحدة من المشروبات المحلاة بالسكر بالفاكهة الكاملة بانخفاض خطر ارتفاع ضغط الدم بنحو 22 في المائة، بينما ارتبط استبدالها بالحليب بانخفاض يقارب 13 في المائة، وبالماء بنحو 9 في المائة. كما ارتبط استبدال حصة من عصير الفواكه بثمرة كاملة بانخفاض الخطر بنحو 19 في المائة.
ولا تعني هذه الأرقام أن كوباً من العصير يؤدي مباشرة إلى ارتفاع ضغط الدم، ولا أن الدراسة تثبت علاقة سببية حتمية. فهي دراسة رصدية تتابع العادات الغذائية وما يرتبط بها من نتائج صحية، ولذلك تستطيع الكشف عن ارتباطات قوية لكنها لا تستطيع وحدها إثبات أن المشروب هو السبب المباشر للمرض.
كما ينبغي النظر إلى النتائج في ضوء خصائص المشاركين في الدراسة، إذ كانت العينة في معظمها من البيض، وهو ما يدعو إلى الحذر قبل تعميم الأرقام نفسها على جميع السكان والمجتمعات. ومع ذلك، فإن طول فترة المتابعة وحجم العينة وتكرار تقييم النظام الغذائي يمنح النتائج وزناً مهماً في النقاش المتواصل حول استهلاك السكريات منذ الطفولة.
وتعيد الدراسة، في النهاية، طرح سؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية بالنسبة إلى العائلات: هل العصير يعادل الفاكهة؟ النتائج تشير إلى أن الإجابة ليست بهذه البساطة. فالفرق بين تفاحة وكوب من عصيرها لا يقتصر على الشكل أو الطعم، بل يمتد إلى الطريقة التي تصل بها السكريات والمغذيات إلى الجسم.
ومن هذا المنظور، لا تتعلق الرسالة بمنع الأطفال من كل مذاق حلو، بقدر ما تتعلق بالعادات التي تتشكل منذ السنوات الأولى وتستمر لعقود. فالماء يظل الخيار الأساسي للترطيب، والفاكهة الكاملة تحتفظ بأفضلية غذائية واضحة على العصير، فيما يبدو أن الحد من الاستهلاك المنتظم للمشروبات المحلاة والعصائر منذ الطفولة قد يكون واحداً من الإجراءات البسيطة التي تساعد على حماية صحة القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من العمر.
فاطمة الزهراء عاشور