الألياف الغذائية.. لماذا لم تعد مجرد وسيلة لتحسين الهضم؟

لفترة طويلة، ارتبطت الألياف الغذائية في الوعي العام بتحسين الهضم والوقاية من الإمساك. لكن الأبحاث الحديثة تدفع نحو إعادة النظر في هذا التصور الضيق، بعدما أصبح العلماء يدرسون دور الألياف في تشكيل الميكروبيوم المعوي، والتأثير في الالتهابات والتمثيل الغذائي وبعض عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض المزمنة.

وتشير معطيات علمية استعرضتها مجلة «Spektrum der Wissenschaft» إلى أن السؤال لم يعد يقتصر على كمية الألياف التي يتناولها الإنسان، بل أصبح يتعلق أيضا بنوعها، ومصدرها، والطريقة التي تتفاعل بها مع مليارات الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الأمعاء.

فالألياف، وهي في الأساس مكونات نباتية لا يستطيع الجهاز الهضمي تفكيكها بالكامل، لا تمر عبر الأمعاء من دون تأثير. بعض أنواع البكتيريا المعوية تستخدمها كمصدر للغذاء، وتنتج أثناء تخميرها مركبات من بينها الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، التي تحظى باهتمام متزايد بسبب دورها المحتمل في الحفاظ على سلامة جدار الأمعاء وتنظيم بعض العمليات الالتهابية والاستقلابية.

غير أن الحديث عن الألياف باعتبارها مادة واحدة أصبح بدوره تبسيطا لا يعكس ما توصل إليه العلم. فأنواع الألياف تختلف في قدرتها على الذوبان وامتصاص الماء والتخمّر وتشكيل مواد هلامية داخل الجهاز الهضمي، وهو ما يعني أن تأثير تناول البقول أو الفواكه أو الحبوب الكاملة قد لا يكون مطابقا لتأثير مكمل غذائي يحتوي على نوع واحد من الألياف.

وعلى المستوى الأكثر وضوحا، تساهم بعض الألياف في زيادة حجم البراز وتنظيم حركة الأمعاء، فيما تساعد أنواع أخرى على إبطاء امتصاص بعض العناصر الغذائية وإطالة الشعور بالشبع. كما تربط الدراسات بين تناول كميات كافية منها وتحسن بعض المؤشرات المرتبطة بسكر الدم والكوليسترول والدهون.

لكن الاهتمام العلمي الأكبر يتجه حاليا إلى الميكروبيوم. فقد أظهرت دراسات بشرية أن الأنظمة الغذائية الغنية بالألياف يمكن أن ترتبط بتغيرات في تركيبة البكتيريا المعوية وبانخفاض بعض مؤشرات الالتهاب. غير أن هذه الاستجابة لا تبدو متشابهة لدى الجميع، وهو ما يشير إلى أن تأثير الغذاء قد يتغير من شخص إلى آخر بحسب تركيبة الميكروبيوم والعوامل الصحية والغذائية المحيطة به.

وهنا تبدأ الصورة في التعقيد. فالأمعاء لا تحتوي لدى جميع الناس على الأنواع نفسها من البكتيريا أو بالنسب نفسها، كما أن قدرتها على تحويل الألياف إلى مركبات مثل «البوتيرات» تختلف من فرد إلى آخر. لذلك، لا يزال الباحثون حذرين تجاه الفكرة التي تعتبر أن هناك كمية أو نوعا واحدا من الألياف يمكن أن يمنح الجميع الفوائد ذاتها.

وتوفر التجارب على الحيوانات مؤشرات أخرى مثيرة للاهتمام، إذ بينت بعض الدراسات أن النقص الشديد في الألياف قد يدفع بعض البكتيريا إلى استهلاك الطبقة المخاطية التي تحمي جدار الأمعاء، بما قد يجعل هذا الحاجز الطبيعي أكثر هشاشة. ومع ذلك، يظل نقل مثل هذه النتائج مباشرة إلى الإنسان أمرا يحتاج إلى الحذر، لأن التجارب الحيوانية لا تشكل وحدها دليلا على حدوث التأثير نفسه لدى البشر.

وتثير هذه النتائج أيضا سؤالا آخر يتعلق بالمكملات الغذائية. فالمعطيات المتوفرة حتى الآن لا تدعم فكرة أن مسحوقا أو كبسولة تحتوي على ألياف يمكن أن تحل ببساطة محل الغذاء الطبيعي. فالفواكه والخضر والبقول والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور لا توفر الألياف وحدها، بل مجموعة واسعة من العناصر والمركبات التي قد تعمل معا داخل الجهاز الهضمي.

ولهذا يميل خبراء التغذية إلى التركيز على تنويع مصادر الألياف بدلا من البحث عن نوع واحد يقدَّم باعتباره الأفضل. فتنوع الأغذية النباتية يعني بدوره تنوع المواد التي تصل إلى البكتيريا المعوية، وقد يكون هذا التنوع أحد العناصر المهمة في الحفاظ على ميكروبيوم أكثر توازنا.

وتشير التوصيات الغذائية في عدد من البلدان إلى تناول ما يقارب 25 إلى 30 غراما أو أكثر من الألياف يوميا لدى البالغين، مع اختلاف الاحتياجات بحسب العمر والجنس والحالة الصحية. إلا أن الدراسات تشير إلى أن نسبة معتبرة من الناس تظل دون هذه المستويات، خصوصا مع انتشار الأغذية شديدة التصنيع وقلة استهلاك البقول والخضر والحبوب الكاملة.

ومع ذلك، لا يعني ذلك أن زيادة الألياف بصورة مفاجئة هي الحل دائما، لأن تناول كميات كبيرة دفعة واحدة قد يسبب الانتفاخ والغازات واضطرابات أخرى لدى بعض الأشخاص، خاصة إذا لم يكن الجسم معتادا عليها. كما أن بعض الأمراض المعوية قد تفرض توصيات مختلفة يحددها الطبيب بحسب الحالة.

ما تكشفه الأبحاث في النهاية هو أن الألياف الغذائية خرجت من صورتها التقليدية باعتبارها مجرد وسيلة لتنظيم الهضم. فقد أصبحت جزءا من ملف علمي أوسع يتعلق بالعلاقة المعقدة بين الغذاء والميكروبيوم وصحة الإنسان.

ورغم أن العلم لم يصل بعد إلى مرحلة وصف نظام غذائي شخصي لكل فرد بناء على بكتيريا أمعائه، فإن الرسالة التي تستند إلى أكثر الأدلة رسوخا تبدو أبسط بكثير: تنويع الأغذية النباتية الكاملة يظل، في الوقت الراهن، أكثر فائدة من البحث عن مكمل أو مكوّن واحد يُقدَّم باعتباره الحل السحري لصحة الأمعاء.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد