بعد 37 عامًا من المعركة.. هل ينجح العالم أخيرًا في القضاء على شلل الأطفال؟

عندما أطلقت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها عام 1988 المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، بدا الهدف طموحًا إلى حد بعيد. ففي ذلك الوقت، كان الفيروس يصيب نحو 350 ألف طفل سنويًا في أكثر من 125 دولة، ويترك آلافًا منهم بإعاقات دائمة. وبعد مرور 37 عامًا على انطلاق هذه الحملة، تقلصت الإصابات بأكثر من 99%، ولم يعد الفيروس البري ينتشر بصورة مستوطنة سوى في باكستان وأفغانستان. لكن، وعلى الرغم من هذا التقدم غير المسبوق، يطرح علماء اليوم سؤالًا مختلفًا: هل أصبح القضاء التام على شلل الأطفال هدفًا يمكن تحقيقه بالفعل، أم أن العالم بحاجة إلى إعادة التفكير في استراتيجيته؟

هذا السؤال كان محور تقرير نشرته مجلة Nature، استنادًا إلى نقاش متزايد بين خبراء الصحة العامة والفيروسات، في وقت تدخل فيه حملة الاستئصال أصعب مراحلها.

ويرى الخبراء أن النجاح الكبير الذي تحقق خلال العقود الماضية لا يعني أن الطريق إلى النهاية أصبح سهلًا، بل على العكس، فقد أثبتت التجربة أن المراحل الأخيرة من القضاء على الأمراض المعدية هي الأكثر تعقيدًا والأعلى تكلفة. فالوصول إلى آخر الأطفال غير الملقحين في مناطق تعاني من النزاعات المسلحة أو ضعف الأنظمة الصحية أو انعدام الثقة في اللقاحات، يمثل تحديًا يفوق بكثير ما واجهته البرامج الصحية في المراحل الأولى.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، نجح العالم بالفعل في القضاء نهائيًا على السلالتين الثانية والثالثة من فيروس شلل الأطفال البري، ولم يبق سوى النمط الأول الذي يواصل الانتشار في نطاق جغرافي محدود. إلا أن المشكلة لم تعد تقتصر على الفيروس البري، إذ برز خلال السنوات الأخيرة تحدٍ جديد يتمثل في الفيروسات المشتقة من اللقاح الفموي، وهي سلالات نادرة تظهر عندما يدور الفيروس المضعف الموجود في اللقاح داخل مجتمعات منخفضة التغطية بالتطعيم لفترات طويلة، فيتحور ويستعيد قدرته على الانتقال.

ورغم أن هذه الحالات تظل نادرة مقارنة بالفوائد الهائلة للقاح، فإنها دفعت بعض الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان الهدف النهائي ينبغي أن يظل القضاء على جميع الفيروسات، أم التركيز على منع الإصابة بالشلل وضمان عدم تحول المرض إلى تهديد للصحة العامة، حتى لو استمر ظهور حالات محدودة يمكن احتواؤها بسرعة.

ويؤكد مؤيدو هذا الطرح أن التطورات العلمية وفرت أدوات جديدة، من بينها لقاحات فموية معدلة أكثر استقرارًا وراثيًا، وأنظمة مراقبة بيئية تعتمد على تحليل مياه الصرف الصحي، وتقنيات متقدمة للكشف المبكر عن الفيروس قبل ظهور الإصابات السريرية، وهو ما يسمح بالتدخل السريع لمنع انتشار المرض.

في المقابل، يحذر خبراء آخرون من أن التخلي عن هدف الاستئصال الكامل قد يبعث برسالة خاطئة، ويؤدي إلى تراجع الالتزام السياسي والمالي بحملات التطعيم، وهو ما قد يمنح الفيروس فرصة للعودة مجددًا. ويستند هؤلاء إلى تجربة الجدري، الذي أثبت أن القضاء النهائي على مرض فيروسي ممكن عندما تتوفر الإرادة الدولية والاستثمار المستدام.

ولا تزال العقبات الميدانية قائمة، خاصة في المناطق التي تشهد نزاعات أو صعوبات أمنية، حيث تعيق الظروف الإنسانية حملات التلقيح المنتظمة، فضلًا عن انتشار المعلومات المضللة بشأن اللقاحات، وتراجع التمويل العالمي المخصص لبرامج الاستئصال بعد انحسار الاهتمام الدولي بالمرض.

ورغم هذه التحديات، يؤكد مسؤولو المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال أن الإنجازات المحققة خلال العقود الماضية تجعل إنهاء المرض هدفًا واقعيًا، شريطة الحفاظ على معدلات التطعيم المرتفعة، وتعزيز الترصد الوبائي، والاستجابة السريعة لأي بؤرة جديدة.

وبين من يدعو إلى مواصلة السعي نحو القضاء الكامل على الفيروس، ومن يرى أن الأولوية يجب أن تكون للقضاء على المرض نفسه وليس بالضرورة على كل أشكال الفيروس، يبقى أمر واحد محل إجماع بين جميع الخبراء: التراخي ليس خيارًا. فطالما استمر فيروس شلل الأطفال في الانتقال داخل أي مجتمع، فإن خطر عودته سيظل قائمًا، ولن يكون أي بلد بمنأى عن هذا التهديد، مهما بلغت قوة نظامه الصحي.

وهكذا، يقف العالم اليوم أمام مرحلة حاسمة في واحدة من أطول وأكبر الحملات الصحية في التاريخ؛ مرحلة قد تحدد ما إذا كان شلل الأطفال سيصبح ثاني مرض يُستأصل نهائيًا بعد الجدري، أم أنه سيظل تحديًا يتطلب يقظة دائمة لأجيال قادمة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد