اضطرابات النوم قد تعيد تشكيل الدماغ… دراسة تكشف تأثيرًا يتجاوز الأرق والإرهاق

لم تعد اضطرابات النوم تُعد مجرد سبب للشعور بالتعب أو النعاس خلال النهار، بل تشير الأدلة العلمية المتزايدة إلى أنها قد تُحدث تغيرات فعلية في بنية الدماغ، خاصة في المناطق المسؤولة عن الدافع والتحفيز واتخاذ القرار. هذا ما خلصت إليه دراسة حديثة نُشرت في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature، مؤكدة أن التأثيرات العصبية لاضطرابات النوم أعمق بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.

واعتمد فريق البحث على تحليل تلوي للتصوير العصبي، وهو من أكثر الأساليب العلمية دقة في تجميع الأدلة، حيث راجع نتائج 57 دراسة شملت أشخاصًا يعانون من اضطرابات نوم مختلفة، من بينها الأرق المزمن. وحلل الباحثون 419 بؤرة دماغية أظهرت انخفاضًا في حجم المادة الرمادية أو كثافتها، إلى جانب 99 بؤرة سجلت زيادات بنيوية، بهدف تحديد المناطق التي تتكرر فيها التغيرات بصورة ثابتة بين مختلف الدراسات.

وأظهرت النتائج وجود تغيرات بنيوية متكررة في عدد من المناطق الدماغية التي تُشكل جزءًا من شبكة المكافأة والتحفيز، وهي شبكة عصبية معقدة تلعب دورًا أساسيًا في تحفيز الإنسان على الإنجاز، واتخاذ القرارات، والتخطيط، والاستجابة للمكافآت، والحفاظ على السلوك الموجّه نحو تحقيق الأهداف.

ويرى الباحثون أن هذه التغيرات قد تفسر جانبًا من الأعراض التي يعاني منها المصابون باضطرابات النوم، مثل فقدان الحماس، وضعف المبادرة، وتراجع الإنتاجية، وصعوبة الحفاظ على الدافع، وهي أعراض لا ترتبط فقط بقلة ساعات النوم، بل قد تعكس تغيرات في البنية العصبية للدماغ نفسه.

كما تعزز الدراسة الفرضية التي تربط اضطرابات النوم بزيادة خطر الإصابة بعدد من الاضطرابات النفسية والعصبية، وفي مقدمتها الاكتئاب والقلق، إذ تتداخل الشبكات الدماغية المتأثرة بالنوم مع تلك المسؤولة عن تنظيم المزاج والانفعالات والوظائف التنفيذية.

ورغم أهمية هذه النتائج، شدد الباحثون على أنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت اضطرابات النوم هي التي تؤدي إلى هذه التغيرات البنيوية، أم أن بعض هذه التغيرات قد تكون موجودة مسبقًا وتزيد من قابلية الإصابة باضطرابات النوم. ولذلك أوصوا بإجراء دراسات طولية لمتابعة المرضى على مدى سنوات، ومعرفة ما إذا كان العلاج الفعال لاضطرابات النوم قادرًا على الحد من هذه التغيرات أو عكسها.

وتؤكد هذه الدراسة أن النوم ليس مجرد فترة للراحة، بل عملية بيولوجية أساسية للحفاظ على سلامة الدماغ ووظائفه. كما تعزز الدعوات إلى تشخيص اضطرابات النوم وعلاجها في وقت مبكر، ليس فقط لتحسين جودة الحياة، وإنما أيضًا لحماية الصحة العصبية والنفسية على المدى البعيد، والحد من الآثار التي قد تطال مراكز التحفيز والإدراك داخل الدماغ.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد