منظمة الصحة العالمية: نحو نصف حالات الخرف يمكن الوقاية منها… والحركة والتغذية الصحية أبرز أسلحة حماية الدماغ

في رسالة تحمل أملاً لملايين الأشخاص حول العالم، أكدت منظمة الصحة العالمية أن ما يصل إلى 45 بالمائة من حالات الخرف يمكن الوقاية منها أو تأخير ظهورها إذا جرى الحد من عوامل الخطر القابلة للتعديل واعتماد نمط حياة صحي منذ منتصف العمر، وربما قبل ذلك. ويأتي هذا الاستنتاج ضمن الإصدار الثاني من الإرشادات العالمية للحد من مخاطر التدهور المعرفي والخرف، التي نشرتها المنظمة بعد مراجعة أحدث الأدلة العلمية، في وقت يواصل فيه هذا المرض فرض تحديات صحية واقتصادية واجتماعية متزايدة على مختلف دول العالم.

وتشير تقديرات المنظمة إلى أن نحو 57 مليون شخص كانوا يعيشون مع الخرف سنة 2021، مع تسجيل ما يقارب 10 ملايين إصابة جديدة سنوياً، فيما يمثل مرض ألزهايمر ما بين 60 و70 بالمائة من مجموع الحالات. ومع الارتفاع المستمر في متوسط العمر، تتوقع المنظمة أن يتزايد عدد المصابين خلال العقود المقبلة، ما يجعل الوقاية إحدى أكثر الأدوات فعالية للحد من هذا العبء العالمي.

وتؤكد الإرشادات الجديدة أن النشاط البدني المنتظم يأتي في مقدمة الوسائل التي أثبتت فعاليتها في الحفاظ على صحة الدماغ. فالرياضة لا تحسن اللياقة البدنية فحسب، بل تساهم أيضاً في تعزيز تدفق الدم إلى الدماغ، والحفاظ على القدرات الذهنية، وتقليل خطر التدهور المعرفي مع التقدم في السن. ولهذا تدعو المنظمة إلى ممارسة النشاط البدني بصورة منتظمة، مع تجنب الجلوس لفترات طويلة.

وفي الجانب الغذائي، توصي منظمة الصحة العالمية باتباع نظام غذائي متوازن يعتمد على الإكثار من الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والأسماك والمكسرات والدهون الصحية، مع التقليل من الأطعمة فائقة التصنيع والدهون المشبعة والسكريات والملح. وتشير الأدلة العلمية إلى أن الأنماط الغذائية المشابهة لحمية البحر الأبيض المتوسط ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف، إلى جانب فوائدها المعروفة في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية.

ولا تقتصر الوقاية، بحسب المنظمة، على الرياضة والغذاء فقط، بل تشمل أيضاً الإقلاع عن التدخين، والحد من استهلاك الكحول، والمحافظة على وزن صحي، وعلاج ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول، إضافة إلى الكشف المبكر عن ضعف السمع وعلاجه، والحفاظ على النشاط الذهني والاجتماعي، وهي عوامل تسهم مجتمعة في حماية وظائف الدماغ مع التقدم في العمر.

ومن أبرز المستجدات التي تضمنتها الإرشادات الجديدة إدراج تلوث الهواء ضمن عوامل الخطر التي ينبغي الحد منها، بعدما أظهرت دراسات حديثة وجود علاقة متزايدة بين التعرض المزمن للجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء وارتفاع خطر الإصابة بالخرف. وترى المنظمة أن تحسين جودة الهواء لا يمثل مكسباً للصحة التنفسية والقلبية فحسب، بل أصبح أيضاً جزءاً من استراتيجيات حماية صحة الدماغ.

وفي المقابل، تشدد منظمة الصحة العالمية على أن الأدلة العلمية الحالية لا تدعم استخدام المكملات الغذائية، مثل أحماض أوميغا-3 أو الفيتامينات المتعددة أو فيتاميني B وE، كوسيلة للوقاية من الخرف لدى الأشخاص الذين لا يعانون من نقص مثبت، مؤكدة أن الفوائد المرجوة تتحقق أساساً من خلال تبني نمط حياة صحي والسيطرة على عوامل الخطر المعروفة.

وترى المنظمة أن مكافحة الخرف لم تعد مسؤولية فردية فقط، بل أصبحت قضية صحة عمومية تستدعي سياسات وطنية تعزز النشاط البدني، وتحسن جودة الغذاء، وتحد من التلوث، وتوفر رعاية أفضل للأمراض المزمنة، لأن حماية الدماغ تبدأ قبل سنوات طويلة من ظهور أولى أعراض المرض. وبحسب المنظمة، فإن الاستثمار في الوقاية اليوم قد يجنب العالم ملايين الإصابات مستقبلاً، ويخفف الأعباء الإنسانية والاقتصادية التي يفرضها الخرف على المرضى وأسرهم وأنظمة الرعاية الصحية.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد