قرار تاريخي للأمم المتحدة: الأمراض المدارية المهملة تُصبح قضية حقوق إنسان
في تحول غير مسبوق على الساحة الدولية، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أول قرار يقر بأن مكافحة الأمراض المدارية المهملة ليست مجرد أولوية صحية، بل هي أيضاً التزام بحقوق الإنسان، في خطوة من شأنها إعادة صياغة السياسات العالمية تجاه أكثر من مليار شخص يعيشون تحت تهديد هذه الأمراض.
اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال دورته الثانية والستين المنعقدة بمدينة جنيف، القرار رقم 62/27 المعنون “حقوق الإنسان والأمراض المدارية المهملة”، ليشكل أول اعتراف رسمي من منظومة الأمم المتحدة بالترابط الوثيق بين هذه الأمراض والحقوق الأساسية للإنسان.
ويمثل القرار محطة مفصلية في الجهود الدولية الرامية إلى القضاء على الأمراض المدارية المهملة، بعدما ظل التعامل معها لعقود يقتصر على الجانب الطبي والوبائي، في حين يؤكد النص الجديد أن انتشار هذه الأمراض يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفقر والتهميش والتمييز وغياب العدالة في الحصول على الخدمات الأساسية.
وتصيب الأمراض المدارية المهملة أكثر من مليار إنسان حول العالم، معظمهم من الفئات الأكثر هشاشة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تتسبب في إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ومضاعفات صحية خطيرة، فضلاً عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية التي تحرم الملايين من التعليم والعمل والاندماج داخل مجتمعاتهم.
ويشدد القرار على أن القضاء على هذه الأمراض لن يتحقق من خلال توفير العلاج وحده، بل يتطلب أيضاً ضمان الحق في الصحة، وتحسين فرص الحصول على مياه الشرب المأمونة، وخدمات الصرف الصحي، والسكن اللائق، والتعليم، إضافة إلى مكافحة جميع أشكال الوصم والتمييز التي يتعرض لها المصابون.
ورحبت منظمة الصحة العالمية باعتماد القرار، معتبرة أنه يمثل نقطة تحول في النظرة العالمية إلى الأمراض المدارية المهملة. وأكد الدكتور دانيال نغاميجي ماداندي، مدير إدارة مكافحة الملاريا والأمراض المدارية المهملة بالمنظمة، أن هذا القرار يعكس إدراكاً متزايداً بأن هذه الأمراض ليست مجرد تحدٍ صحي، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لعدم المساواة والإقصاء الاجتماعي، مشيراً إلى التزام المنظمة بالعمل مع الدول الأعضاء وشركائها لتحويل هذا الالتزام السياسي إلى إجراءات ملموسة تعود بالنفع على المجتمعات الأكثر تضرراً.
كما يدعو القرار الحكومات إلى إدماج مقاربة حقوق الإنسان في جميع السياسات والاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالأمراض المدارية المهملة، بما يضمن وصول الخدمات الوقائية والعلاجية إلى جميع السكان دون تمييز، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الهشة، لاسيما الأطفال والنساء وسكان المناطق الريفية والنائية.
ويرى مختصون أن القرار يمنح زخماً جديداً لخريطة الطريق التي وضعتها منظمة الصحة العالمية للقضاء على الأمراض المدارية المهملة بحلول عام 2030، ويعزز التعاون بين قطاعات الصحة والتنمية وحقوق الإنسان، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن القضاء على هذه الأمراض لا يقتصر على توفير الأدوية، بل يتطلب أيضاً معالجة الأسباب العميقة التي تسمح باستمرارها، وفي مقدمتها الفقر، وسوء البنية التحتية، وعدم المساواة.
ويؤكد هذا القرار التاريخي أن المعركة ضد الأمراض المدارية المهملة لم تعد معركة صحية فحسب، بل أصبحت معركة من أجل الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة التي ترفع شعار “عدم ترك أي شخص خلف الركب”.
فاطمة الزهراء عاشور