إيبولا يعود بسلالة نادرة… العالم تحت الإنذار الصحي والكونغو في قلب العاصفة
عاد فيروس إيبولا ليقرع أبواب العالم من جديد، لكن هذه المرة عبر سلالة نادرة ومعقدة تثير قلق الأوساط الطبية الدولية، بعدما أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية دولية إثر التفشي المتسارع لسلالة “بونديبوجيو” في جمهورية الكونغو الديمقراطية وامتدادها إلى أوغندا المجاورة.
التحذير الأممي جاء في لحظة حرجة تشهد فيها منطقة البحيرات الكبرى تدهوراً أمنياً وإنسانياً غير مسبوق، ما جعل من احتواء الوباء مهمة شديدة التعقيد. فالمخاوف لم تعد مرتبطة فقط بسرعة انتشار العدوى، بل أيضاً بكون العالم يواجه سلالة لا يتوفر لها حتى الآن لقاح معتمد أو علاج فعّال مثبت علمياً، على خلاف سلالة “زائير” التي استُخدمت ضدها لقاحات خلال موجات سابقة من الوباء.
وبحسب أحدث المعطيات الصحية، تم تسجيل أكثر من ألف حالة مشتبه بها في شرق الكونغو الديمقراطية، مع مئات الوفيات المحتملة، في وقت بدأت فيه العدوى تعبر الحدود نحو أوغندا عبر حالات مرتبطة بالتنقلات التجارية والطبية بين البلدين. كما تم تسجيل إصابات وسط العاملين في القطاع الصحي، ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات مرعبة عاشتها القارة الإفريقية خلال أوبئة إيبولا السابقة.
وتُعد سلالة “بونديبوجيو” من أندر سلالات الفيروس وأكثرها غموضاً. وقد سُجلت لأول مرة في أوغندا سنة 2007، لكنها لم تتحول حينها إلى تهديد عالمي واسع. أما اليوم، فإن عودتها في سياق هشاشة صحية وأمنية خانقة يضاعف من خطورتها، خاصة مع غياب بروتوكولات علاجية جاهزة لمواجهتها.
السلطات الصحية في الكونغو تواجه تحديات هائلة على الأرض. فالكثير من المناطق المتضررة تقع وسط بؤر نزاع مسلح، حيث يصعب وصول الفرق الطبية، بينما تعرقل الشائعات ورفض بعض السكان لإجراءات العزل والدفن الآمن جهود احتواء العدوى. وتخشى الهيئات الدولية من أن يؤدي فقدان الثقة بين السكان والسلطات إلى تسارع انتشار الفيروس بصمت داخل المجتمعات المحلية.
وفي أوغندا، رفعت السلطات درجة التأهب القصوى بعد تسجيل حالات جديدة مرتبطة بالحدود الشرقية، وشرعت في تتبع المخالطين وتشديد المراقبة الصحية في المعابر. غير أن منظمة الصحة العالمية حذرت من أن إغلاق الحدود بشكل كامل قد يأتي بنتائج عكسية، لأنه سيدفع السكان إلى استخدام طرق عبور غير رسمية وخارج الرقابة الصحية.
الأزمة الحالية كشفت أيضاً هشاشة التمويل الدولي المخصص لمواجهة الأوبئة في إفريقيا. فقد أكدت هيئات صحية إفريقية أن التعهدات المالية لمكافحة التفشي تراجعت بشكل لافت خلال الأيام الأخيرة، رغم الحاجة الملحة إلى دعم المختبرات وفرق التدخل السريع ومراكز العزل.
وفي سباق مع الزمن، دعت منظمة الصحة العالمية إلى إطلاق تجارب سريرية عاجلة على لقاحات وعلاجات تجريبية موجهة خصيصاً لسلالة “بونديبوجيو”، وسط آمال بأن تسمح التكنولوجيا الحديثة بتطوير أدوات فعالة خلال الأشهر المقبلة. غير أن الخبراء يحذرون من أن الوقت قد لا يكون في صالح العالم إذا استمر الوباء في التوسع داخل المناطق الحدودية المكتظة بالسكان.
وبينما تعود صور الفرق الطبية ببدلات العزل إلى الواجهة، يبدو أن العالم يواجه اختباراً جديداً في قدرته على الاستعداد للأوبئة قبل تحولها إلى كوارث عابرة للحدود، في وقت لا تزال فيه الأنظمة الصحية الدولية تتعافى بصعوبة من آثار جائحة كوفيد 19.
فاطمة الزهراء عاشور