بالأرقام لا بالشعارات: الجزائر تطلق مسحًا وطنيًا ضخمًا لإعادة رسم سياساتها الاجتماعية

في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى سياسات عمومية مبنية على معطيات دقيقة بدل التقديرات التقريبية، أطلقت الجزائر واحدة من أكبر عملياتها الإحصائية الوطنية: النسخة السابعة من المسح العنقودي متعدد المؤشرات (MICS7)، في خطوة تعكس تحوّلًا نحو “حكم بالأرقام” في إدارة الملفات الاجتماعية والصحية.

الإطلاق الرسمي جاء عبر تنصيب اللجنة الاستشارية المكلفة بقيادة هذا المشروع، بإشراف الأمين العام لوزارة الصحة، السيد محمد طالحي، نيابة عن وزير الصحة البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، في رسالة واضحة حول الوزن السياسي والمؤسساتي لهذا المسح.

المشروع في حد ذاته يعكس طموحًا كبيرًا: 32,800 أسرة عبر مختلف ولايات الوطن ستكون ضمن العينة، لإنتاج ما يقارب 200 مؤشر يغطي أوضاع الأطفال والنساء والأسر. هذه الأرقام لا تعني فقط حجم العملية، بل تعكس محاولة لبناء صورة دقيقة ومفصلة عن الواقع الاجتماعي في الجزائر، بعيدًا عن القراءات العامة أو التقديرات غير المدعومة بالبيانات.

ومن أبرز التحولات في هذه النسخة، تخصيص ولاية الجزائر بقراءة مستقلة لأول مرة، ما يشير إلى وعي متزايد بضرورة فهم الفوارق الإقليمية داخل البلاد، بدل التعامل معها ككتلة واحدة متجانسة.

المسح، الذي يُنجز تحت إشراف وزارة الصحة الجزائرية، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبمساهمة صندوق الأمم المتحدة للسكان، لا يندرج فقط ضمن الجهد الوطني، بل يتقاطع مع منظومة دولية لقياس مؤشرات التنمية، ما يمنح نتائجه قابلية للمقارنة على المستوى العالمي.

أهمية هذا المسح لا تكمن في جمع البيانات بحد ذاته، بل في ما يمكن أن يترتب عنه. فهو أداة مباشرة لتوجيه القرار العمومي، وتمكين السلطات من تقييم السياسات الحالية، وتصحيح مساراتها عند الحاجة، خاصة في ما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030.

لكن الرهان الحقيقي، كما أشار إليه وزير الصحة، يبقى في ما بعد الأرقام. فنجاح العملية لا يتوقف على دقة الإحصاء فقط، بل على مدى قدرة المؤسسات على استثمار نتائجه وتحويلها إلى سياسات ملموسة. هنا تحديدًا، يتحول المسح من مجرد تمرين إحصائي إلى اختبار فعلي لمدى جاهزية الدولة لاعتماد مقاربة قائمة على الأدلة.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد