الصحة تراهن على الرقمنة الشاملة: ربط 2599 مؤسسة بالألياف البصرية وإطلاق منظومة صحية ذكية لخدمة المواطن

وضعت وزارة الصحة ملف التحول الرقمي في صدارة أولوياتها، معلنة انتقالها من مرحلة رقمنة الإجراءات إلى بناء منظومة صحية ذكية تقوم على البيانات، وتستهدف تحسين جودة التكفل وتعزيز ثقة المواطن في المرفق العام. هذا التوجه أكد عليه وزير الصحة محمد صديق آيت مسعودان في كلمة أُلقيت نيابة عنه من طرف رئيس ديوان الوزارة حاج معطي خليل رضا، خلال الملتقى الوطني الموسوم بـ«الابتكار والتحول الرقمي في خدمة المرفق العام: نحو برنامج وطني للتميز في تقديم الخدمات العمومية»، المنعقد يوم 16 فيفري 2026، بحضور أعضاء من الحكومة ووسيط الجمهورية وخبراء في مجالات الحوكمة والرقمنة.

الرسالة كانت واضحة: تحديث الإدارة لم يعد خيارًا ظرفيًا، بل مسارًا استراتيجيًا يندرج ضمن برنامج حكومي يرمي إلى إرساء إدارة عصرية، فعالة وقريبة من المواطن. وفي هذا السياق، يُنظر إلى القطاع الصحي باعتباره أحد أكثر القطاعات حساسية، بحكم طابعه الإنساني والاجتماعي، ما يجعله في قلب مشروع التحول الرقمي الوطني.

عمليًا، باشرت الوزارة تجسيد رؤية متكاملة لبناء منظومة صحية رقمية شاملة، ترتكز على ربط المؤسسات الصحية العمومية بالشبكة الوطنية عبر الألياف البصرية بالتنسيق مع اتصالات الجزائر، حيث تم إبرام اتفاقية إطار لربط 2599 مؤسسة وهيكل صحي، مع رفع سرعة التدفق بما يتماشى واحتياجات كل منشأة. هذا الاستثمار في البنية التحتية يُعدّ شرطًا أساسيًا لنجاح أي تحول رقمي فعلي.

ويبرز الملف الطبي الإلكتروني كحجر زاوية في هذه المنظومة، إذ يتيح تخزين المعطيات الطبية ضمن قواعد بيانات مؤمّنة، بما يقلّص تكرار الفحوصات والتحاليل، ويحسن المتابعة الصحية، ويسهل حجز المواعيد، ويمنح الأطباء إمكانية الاطلاع الفوري على المعلومات عبر نظام معلوماتي مؤمّن قائم على المعرف الوطني للمريض. الرهان هنا يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى ترشيد النفقات وتحسين نجاعة التكفل.

كما يجري التفعيل التدريجي لمنصات رقمية ذات أولوية، من بينها منصة تتبع توفر الأدوية، ومنصات الصيانة والتجهيزات الطبية، ومنصة العلاج بالأشعة، ومنصة متابعة وفرة الأسرة بالمؤسسات الصحية، إضافة إلى التحضير لإطلاق منصات الموارد البشرية والتكوين والتأهيل المستمر، بما يعزز الحوكمة الداخلية ويرفع من أداء الإطارات الصحية في بيئة رقمية متطورة.

وفي بعدٍ يمس المواطن مباشرة، تستعد الوزارة لإطلاق تطبيقات رقمية تتيح الاطلاع على الملف الصحي الشخصي، وحجز المواعيد عن بُعد، والاستفادة من الاستشارات دون تنقل، خاصة لفائدة سكان المناطق النائية. كما يجري التحضير لإطلاق منصات للتطبيب عن بُعد والتصوير الإشعاعي عن بُعد المدعّم بالذكاء الاصطناعي، بهدف تقليص الأخطاء الطبية وتسريع التشخيص وتحقيق تكفل أكثر دقة وفعالية.

الطموح المعلن لا يقتصر على رقمنة الخدمات، بل يمتد إلى بناء نظام صحي ذكي قائم على استغلال البيانات في البحث العلمي، وتطوير منظومات إنذار مبكر للأوبئة، ودعم الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والصحة الإلكترونية والبيانات الضخمة، مع تشجيع المؤسسات الناشئة الوطنية على الاستثمار في هذا المجال الحيوي، في إطار تنسيق متواصل مع المحافظة السامية للرقمنة.

وفي ما يتعلق بالحوكمة، شددت الوزارة على التزامها بالتشريعات الوطنية الخاصة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مع تعزيز منظومات الأمن السيبراني لحماية الأنظمة المعلوماتية من مختلف التهديدات، باعتبار الثقة الرقمية عنصرًا حاسمًا في نجاح أي إصلاح.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد