داء بومب في صدارة النقاش الطبي بالجزائر: نحو تشخيص مبكر وتكفل متعدد التخصصات
في سياق تعزيز التكفل بالأمراض النادرة في الجزائر، احتضن فندق Sheraton Club des Pins بالعاصمة لقاءً علميًا خصص لداء بومب، بمبادرة مدعومة من Sanofi، جمع أطباء عامين ومقيمين وأخصائيين في طب الأعصاب وطب الأطفال، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام الوطني بتحسين مسار تشخيص هذا المرض الوراثي النادر وعلاجه.
الحدث لم يكن مجرد عرض علمي تقني، بل محطة لتسليط الضوء على أحد التحديات الكبرى في المنظومة الصحية: “التيه التشخيصي” الذي يواجهه مرضى الأمراض النادرة. فداء بومب، الناتج عن نقص في إنزيم ألفا غلوكوزيداز الحامضي، غالبًا ما يُكتشف بعد أشهر أو حتى سنوات من ظهور الأعراض، خاصة في شكله المتأخر، ما يؤخر التدخل العلاجي ويؤثر على جودة الحياة.
خبراء مشاركون شددوا على أن الشكل الطفولي المبكر من المرض يُعد الأخطر، إذ قد يؤدي إلى مضاعفات قلبية وعضلية حادة خلال السنة الأولى من العمر إذا لم يُشخّص ويُعالج سريعًا. أما الشكل المتأخر، الذي قد يظهر لدى الأطفال الأكبر سنًا أو البالغين، فيتطور ببطء، وغالبًا ما يُخلط بينه وبين أمراض عضلية أخرى، ما يفرض يقظة أكبر لدى أطباء الخط الأول.
من جهته، أوضح ممثلون عن أقسام مختصة، من بينها مصلحة الأعصاب بالمركز الاستشفائي الجامعي بتيزي وزو، أن عدد الحالات المسجلة في الجزائر ما يزال محدودًا مقارنة بالتقديرات العالمية التي تشير إلى إصابة واحدة تقريبًا لكل 40 ألف مولود. غير أن غياب سجل وطني دقيق للأمراض النادرة يجعل الأرقام الحقيقية مفتوحة على احتمالات أكبر، وهو ما يستدعي تنظيم عملية الإحصاء والتتبع.
على المستوى العلاجي، أبرز المتدخلون التطور الذي عرفه العلاج التعويضي بالإنزيم خلال السنوات الأخيرة، والذي غيّر بشكل ملموس الإنذار الطبي للمرضى، سواء من حيث البقاء على قيد الحياة في الحالات الطفولية المبكرة أو من حيث الحفاظ على الوظائف العضلية والتنفسية في الأشكال المتأخرة. كما تم التطرق إلى الجيل الجديد من العلاجات البيولوجية التي أظهرت نتائج سريرية واعدة، ما يعزز الآمال في تحسين الاستجابة العلاجية على المدى المتوسط والبعيد.
غير أن الرسالة الأهم التي خرج بها اللقاء كانت واضحة: العلاج الدوائي وحده لا يكفي. فداء بومب يتطلب مقاربة متعددة التخصصات تشمل المتابعة القلبية، والدعم التنفسي، والعلاج الفيزيائي الحركي، والمرافقة التغذوية، ضمن مسار علاجي منسق يضع المريض في صلب الاهتمام.
هذا الحراك العلمي يعكس تحولًا تدريجيًا في التعاطي مع الأمراض النادرة في الجزائر، من منطق التشخيص المتأخر ورد الفعل، إلى منطق الاستباق والتكوين المستمر. ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو ترسيخ ثقافة الاشتباه المبكر لدى الأطباء، وتسريع مسارات الفحص البيولوجي، بما يسمح بتحويل داء بومب من مرض صامت ومدمّر إلى حالة يمكن التحكم فيها بفضل المعرفة والتنسيق العلاجي.
مريم عزون