لحظات صفاء قبل الموت: لغز “الوضوح الأخير” في الطب الحديث

في مستشفيات الأورام ووحدات العناية التلطيفية حول العالم، لاحظ أطباء وفنيو رعاية حالة غريبة تُعرف بـ الوضوح اللحظي (terminal lucidity): وهي عودة مفاجئة ومؤقتة للقدرة الذهنية أو التواصل لدى مرضى كانوا فاقدين للوعي أو غير قادرين على التفاعل، قبل ساعات أو أيام من الوفاة. هذا الحدث، رغم أن تكراره نادر، تمّ توثيقه في الأدبيات الطبية منذ قرنٍ ونصف ويمكن العثور عليه في مجموعات كبيرة من الحالات التي تشمل أمراضًا عصبية ونفسية مختلفة.

دراسة علمية نشرت عام 2012 في مجلة Archives of Gerontology and Geriatrics ذكرت إعادة ظهور الوضوح الذهني والذاكرة قبل الوفاة بشكل غير متوقع في مرضى يعانون من أمراض مثل الخرف، أورام الدماغ، السكتات، والاضطرابات العصبية والنفسية.

في عام 2024، ظهر تقرير مهم بعنوان “Terminal Lucidity in a Pediatric Oncology Clinic” في Journal of Nervous and Mental Disease (DOI: 10.1097/NMD.0000000000001711)، قدّم حالات أطفال كانوا من المفترض أن تكون حالتهم لا تسمح باستعادة الوعي، لكنهم أظهروا تغيرات غير متوقعة في الوضوح العقلي والقدرة على التواصل في الأيام أو الساعات الأخيرة من حياتهم. هذا التوثيق يضع الظاهرة في نطاق الملاحظات السريرية وليس مجرد قصص فردية.

من منظور علم الأعصاب، لا يزال التفسير البيولوجي لهذه اللحظات غير حاسم، لكن الأدلة العلمية الحديثة تقدّم أطروحات محتملة. مقال صدر في عام 2025 في مجلة ACS Pharmacology & Translational Science (DOI: 10.1021/acsptsci.5c00440) يقترح فكرة ارتباط الوضوح اللحظي بإمكانيات إعادة التنظيم العصبي (neuroplasticity) التي يمكن أن تنشأ نتيجة انخفاضات مؤقتة في الأكسجة الدماغية (Hypoxia)، ما قد يحفّز شبكات عصبية بديلة أو مسارات اتصال عصبية غير متوقعة.

هذا لا يعني أن هناك اتفاقًا علميًا نهائيًا حول الآلية، ولكن الأدبيات العصبية الحديثة تتجه نحو فكرة أن النشاط العصبي خلال مراحل النهاية يمكن أن يشهد موجات من التنظيم المفاجئ، وربما يرتبط بتغيرات في النواقل العصبية ونشاط القشرة الدماغية. ورقة بحثية حديثة بعنوان Is There Neuroscientific Evidence of Burst of Lucidity in Dying People? (DOI: 10.15354/si.25.op333) تشير إلى وجود تقارير عن ارتفاعات في النشاط العصبي المؤقت المرتبط بالوضوح المفاجئ، مما يجعله موضوعًا جديرًا بالبحث العلمي وليس مجرد حكايات فردية.

لسنوات طويلة ظلّت الظاهرة تُذكر في الأدبيات الطبية الكلاسيكية مثل حالات مرضى الخرف والفصام، لكن الاهتمام العلمي المنهجي بها زاد فقط في العقد الأخير، مع ظهور أدوات تصوير عصبي وتقنيات تسجيل كهربية الدماغ التي تسمح بمراقبة نشاط الدماغ في اللحظات الحرجة من الحياة.

السؤال الكبير الذي يطرحه الباحثون اليوم ليس فقط إذا كانت هذه اللحظات تحدث بالفعل، بل كيف ولماذا تحدث؟ بعض العلماء يفضلون تفسيرها بآليات فيزيولوجية قائمة على تغيّرات في التواصل العصبي أو الشبكات البديلة للدماغ في نهاية الحياة، بينما يتجنب آخرون أي تفسير مسبق حتى توفر الدراسات المنهجية بيانات أكثر.

من منظور الأسرة ومقدمي الرعاية، تحمل لحظات الوضوح اللحظي معنى إنسانيًا عميقًا — فهي تتيح فرصة وداع أخير، وطمأنة نفسية قبل الرحيل. أما من منظور العلم، فهي تحدٍ معرفي يطرح أسئلة أساسية عن الوعي وتفاعلات الدماغ في لحظات النهاية، ويؤكد الحاجة إلى أبحاث متعددة التخصصات تجمع بين علم الأعصاب والطب النفسي والتصوير العصبي الإكلينيكي

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد