التوحد في صلب الأجندة الحكومية: نحو تفعيل المخطط الوطني وتوحيد جهود التكفل المبكر
في خطوة تعكس انتقال ملف اضطراب طيف التوحد من دائرة المعالجة القطاعية إلى مستوى التنسيق الحكومي الموسع، شارك وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، الأحد 15 فيفري 2026، في الافتتاح الرسمي للورشات الدراسية التكوينية حول التكفل بأطفال اضطراب طيف التوحد، المنظمة بالمدرسة الوطنية للإدارة، بدعوة من وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، السيدة صورية مولوجي.
الرسالة السياسية والصحية التي حملها هذا اللقاء واضحة: التوحد لم يعد ملفًا طبيًا محضًا، بل أضحى قضية عمومية تتطلب تعبئة متعددة القطاعات، بالنظر إلى تزايد انتشاره وتداعياته الاجتماعية والإنسانية. وفي هذا السياق، أكد وزير الصحة أن اضطرابات طيف التوحد تُصنف اليوم ضمن أولويات الصحة العمومية، مشددًا على ضرورة تطوير آليات التشخيص المبكر وتحسين مسارات التكفل المستمر.
وأوضح الوزير أن قطاع الصحة عمل، على مدار نحو عشر سنوات، على بناء منظومة متكاملة ترتكز على التشخيص المبكر والمتابعة الطبية والنفسية طويلة المدى، بما يضمن مرافقة فعلية للأطفال المصابين وأسرهم. كما أبرز أن تعقيد هذا الاضطراب وتباين مظاهره السريرية يفرضان اعتماد مقاربة متعددة التخصصات، وهو ما تجسد في إعداد مخطط وطني للتوحد بالتنسيق مع قطاعات وزارية مختلفة، والحركة الجمعوية، وخبراء وطنيين وأجانب.
وأشار إلى أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أدرج ملف التوحد ضمن الأولويات الوطنية، في دلالة على التزام الدولة بتحسين نوعية التكفل وتعزيز الإدماج الاجتماعي للأشخاص المصابين، خاصة في مجالي التعليم والحياة المهنية مستقبلاً.
وعلى المستوى الهيكلي، كشف وزير الصحة عن تدعيم تخصص الطب النفسي للأطفال والمراهقين، حيث تتوفر الجزائر حاليًا على 20 وحدة متخصصة، منها 9 وحدات استشفائية جامعية يشرف عليها أساتذة مختصون، إضافة إلى قرابة 100 طبيب مختص، وهو ما يعكس – بحسبه – تطورًا نوعيًا في قدرات المنظومة الصحية، رغم استمرار الحاجة إلى مزيد من الموارد والتكوين.
ويرتكز المخطط الوطني متعدد القطاعات على خمسة محاور أساسية: الرعاية الشاملة منذ مرحلة التشخيص المبكر؛ تعزيز التكوين المتخصص لمهنيي الصحة والتربية والقطاعات المتدخلة؛ تكثيف حملات التوعية لمكافحة الوصمة الاجتماعية؛ مرافقة الأسر ودعم النسيج الجمعوي؛ وتشجيع البحث العلمي لفهم أدق لانتشار الاضطراب في الجزائر.
وختم الوزير بالتأكيد على أن التحدي لم يعد في صياغة الخطط بقدر ما هو في ضمان تنفيذها الميداني، عبر تحسين التنسيق بين المتدخلين وتوفير الموارد وتعزيز الكفاءات، معتبرًا أن نجاح هذا المسار يظل رهين رؤية مشتركة تقوم على التضامن والمسؤولية الجماعية.
مريم عزون