أدوية بلا ضمان: عندما تتحول جودة الدواء في إفريقيا إلى مسألة حياة أو موت
تكشف دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Communications عن واقع مقلق يواجه الأنظمة الصحية في إفريقيا: مشكلة جودة الأدوية لم تعد قضية تقنية هامشية، بل أصبحت خطرًا مباشرًا على حياة ملايين المرضى. فالأدوية غير المطابقة للمواصفات أو المغشوشة لا تؤدي فقط إلى فشل العلاج، بل تساهم في تفاقم الأمراض وانتشار مقاومة المضادات الحيوية وارتفاع معدلات الوفيات، خصوصًا في القارة التي تتحمل أصلًا عبئًا كبيرًا من الأمراض المعدية والمزمنة.
توضح الدراسة أن الأبحاث المتعلقة بجودة الأدوية في إفريقيا ما تزال مشتتة وضعيفة التنسيق، وغالبًا ما تُدار من خارج القارة. هذا الوضع يجعل الدول الإفريقية تعتمد على بيانات وخبرات أجنبية لا تعكس دائمًا الواقع المحلي لسلاسل الإمداد، وظروف التخزين، وأنماط التوزيع، وأسواق الأدوية غير النظامية. والنتيجة هي فجوة معرفية تجعل السياسات الصحية عاجزة عن مواجهة المشكلة من جذورها.
ويؤكد الباحثون أن الأدوية الرديئة قد تكون ناقصة المادة الفعالة، أو تحتوي على جرعات غير دقيقة، أو تكون مزيفة بالكامل. في كل هذه الحالات، يتعرض المريض لخطر مزدوج: فالعلاج لا ينجح، والمرض يستمر أو يتفاقم، بينما تتعزز مقاومة الجراثيم للأدوية، ما يجعل العلاجات المستقبلية أكثر تعقيدًا وكلفة.
ترى الدراسة أن الحل لا يكمن فقط في تشديد الرقابة أو زيادة الاستيراد من مصادر “موثوقة”، بل في بناء قدرة علمية إفريقية مستقلة وقوية. فالبحوث التي تُنجز داخل القارة، وبقيادة باحثين أفارقة، هي الأقدر على فهم الخصوصيات المحلية واقتراح حلول واقعية ومستدامة. كما أن إنشاء شبكات تعاون علمي بين الدول الإفريقية من شأنه تسهيل تبادل البيانات، وتعزيز قدرات المختبرات الوطنية، وتطوير أدوات مراقبة الجودة عبر الحدود.
ويشير الباحثون إلى أن غياب التنسيق بين المبادرات الدولية، وتبعثر التمويل الخارجي، يحدّان من فعالية الجهود المبذولة. لذلك يدعون إلى إعادة توجيه الاستثمار نحو دعم البحث المحلي، وبناء بنية تحتية علمية قادرة على إجراء تحاليل مستقلة للأدوية، ومتابعة جودتها بشكل منتظم.
إن قضية جودة الدواء في إفريقيا ليست مجرد تحدٍّ تقني، بل مسألة سيادة صحية وعدالة علاجية. فحين يتلقى المريض دواءً غير فعّال، فإنه لا يُحرم فقط من الشفاء، بل يُدفع أحيانًا إلى مسار مرضي أكثر خطورة. وتبعث هذه الدراسة برسالة واضحة: لا يمكن حماية صحة الشعوب الإفريقية دون تمكين علمي حقيقي داخل القارة، يجعل من البحث المحلي والتعاون الإقليمي حجر الأساس لأي سياسة دوائية فعالة.
فاطمة الزهراء عاشور