برودة القدمين… عرض بسيط قد يخفي أمراضًا صامتة

يعتقد كثيرون أن برودة القدمين مجرد إحساس عابر مرتبط بانخفاض درجات الحرارة أو بضعف التدفئة، غير أن خبراء في طب الأقدام والتنقل الدموي يؤكدون أن هذا العرض قد يكون في أحيان كثيرة رسالة إنذار مبكرة يرسلها الجسم بشأن اضطرابات صحية أعمق. فالإحساس المستمر ببرودة القدمين، حتى في أجواء معتدلة، قد يعكس خللًا في الدورة الدموية، أو اضطرابًا عصبيًا، أو مشكلة هرمونية، أو نقصًا في مكوّنات الدم الأساسية.

السبب الأكثر شيوعًا لهذه الظاهرة يتمثل في ضعف تدفق الدم نحو الأطراف. فعندما تتقلص الأوعية أو تفقد مرونتها، تقل كمية الدم الدافئ الواصلة إلى القدمين، فيشعر الشخص ببرودة دائمة. ويحدث ذلك مع التقدم في السن، أو بسبب تصلب الشرايين، أو نتيجة عادات مضرة كالتدخين الذي يؤدي إلى تضييق الأوعية الدموية وإضعاف وظيفتها. في مثل هذه الحالات، تصبح برودة القدمين مؤشرًا على خلل أوسع في الجهاز الوعائي قد يتطور لاحقًا إلى مضاعفات أخطر.

وفي حالات أخرى، يكون السبب مرتبطًا بما يُعرف بمتلازمة رينود، وهي حالة يتشنج فيها جدار الشرايين الصغيرة عند التعرض للبرد أو التوتر، ما يؤدي إلى انخفاض مفاجئ في تدفق الدم. عندها قد يتغير لون القدمين إلى الأبيض أو الأزرق قبل أن يعود تدريجيًا إلى طبيعتهما مع الدفء. هذا الاضطراب لا يُعد خطيرًا في حد ذاته غالبًا، لكنه يستوجب المتابعة الطبية، خاصة إذا ترافق مع ألم أو تقرحات.

كما قد يكون الإحساس بالبرودة ناتجًا عن اعتلال الأعصاب المحيطية، وهو اضطراب شائع لدى مرضى السكري. في هذه الحالة، لا تكون القدم باردة فعليًا، بل يشعر بها المريض كذلك بسبب خلل في نقل الإشارات العصبية. هذا النوع من الأعراض يحمل مخاطر إضافية، إذ قد لا يدرك المصاب درجات الحرارة الحقيقية، ما يعرضه لحروق أو إصابات دون أن ينتبه إليها في الوقت المناسب.

وتدخل الاضطرابات الهرمونية، وعلى رأسها قصور الغدة الدرقية، ضمن الأسباب الممكنة أيضًا. فالغدة الدرقية تضبط معدل الأيض وإنتاج الحرارة في الجسم، وعندما ينخفض نشاطها، تقل قدرة الجسم على الحفاظ على درجة حرارته الطبيعية، فتظهر برودة الأطراف كأحد الأعراض المبكرة، إلى جانب التعب وزيادة الوزن وجفاف الجلد.

أما فقر الدم، خصوصًا الناتج عن نقص الحديد، فيؤثر بدوره في قدرة الدم على نقل الأكسجين إلى الأنسجة. ومع انخفاض الأكسجة، تتراجع كفاءة إنتاج الحرارة في الأطراف، فتبدو القدمين باردتين باستمرار، مصحوبتين أحيانًا بشحوب وإرهاق عام.

إن استمرار برودة القدمين، خاصة إذا لم تكن مرتبطة بالطقس، أو إذا ترافق معها تغيّر في لون الجلد، أو ألم، أو تنميل، ينبغي ألا يُهمَل. فزيارة الطبيب وإجراء فحوصات بسيطة للدورة الدموية، ووظائف الغدة الدرقية، ومستوى الهيموغلوبين، وحالة الأعصاب، قد تكشف عن أمراض في مراحلها الأولى، حيث يكون التدخل أكثر فعالية وأقل كلفة.

بهذا المعنى، لا تعود القدم الباردة مجرد تفصيل عابر، بل تتحول إلى نافذة يطل منها الجسد على حالته الصحية العامة. فالانتباه إلى هذه الإشارات الصغيرة قد يكون الخطوة الأولى نحو الوقاية من أمراض صامتة لا تظهر أعراضها الخطيرة إلا بعد فوات الأوان.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد