الرقمنة والوقاية الذكية: نحو منظومة وطنية حديثة لحماية صحة العمال
في سياق الجهود الرامية إلى تعزيز الصحة المهنية والوقاية من الأخطار المرتبطة بالعمل، ترأس وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، الأستاذ عبد الحق سايحي، صبيحة يوم الاثنين 05 جانفي 2026، اجتماعًا تقييميًا بمقر الوزارة، خُصص لمتابعة وتقييم نشاطات هيئة الوقاية من الأخطار المهنية في قطاعات البناء والأشغال العمومية والري، وهي من بين أكثر القطاعات عرضة لحوادث العمل والأمراض المهنية.
ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة الاجتماعات الدورية التي يعقدها الوزير بهدف تقييم أنماط التسيير، قياس مؤشرات الأداء، ومتابعة تنفيذ التوصيات المتعلقة بتحسين الخدمة العمومية، لاسيما في مجالي الصحة والسلامة المهنيتين، والانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الحوادث إلى مقاربة وقائية استباقية تحمي صحة العامل قبل تعرضه للخطر.
وخلال الاجتماع، قدم المدير العام لهيئة الوقاية عرضًا مفصلًا حول حصيلة النشاطات المنجزة، ومدى تطبيق مخططات الوقاية المعتمدة، إضافة إلى الخطوط العريضة لمخطط العمل لسنة 2026. وقد أظهرت المعطيات المعروضة أهمية تعزيز التدخلات الوقائية في الورشات ذات الكثافة العمالية العالية، حيث تتزايد المخاطر الصحية المرتبطة بحوادث السقوط، التعرض للمواد الخطرة، والإجهاد المهني.
وفي هذا السياق، أسدى الوزير جملة من التوجيهات الاستراتيجية، ركزت أساسًا على تكثيف الخرجات الميدانية الموجهة إلى ورشات البناء والأشغال العمومية والري، بالاعتماد على مؤشرات المخاطر ونسب الحوادث، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو المؤسسات الأكثر عرضة للأخطار، في إطار مقاربة صحية وقائية مبنية على المعطيات الدقيقة.
كما شدد على ضرورة اعتماد مقاربة وطنية موحدة للوقاية من المخاطر المهنية، قائمة على الاستهداف الذكي للورشات والمؤسسات، بالارتكاز على قواعد بيانات حوادث العمل وتحليلها، مع الانتقال التدريجي إلى منظومة وقائية ذكية تعتمد على الحلول الرقمية ونظم التقييم الآني للمخاطر الصحية والمهنية.
وفيما يتعلق بالرقابة الصحية، أكد الوزير على أهمية المتابعة المستمرة لتطبيق مخططات الوقاية في مجال الصحة والسلامة المهنيتين، مع الصرامة في تطبيق النصوص التنظيمية، وإعداد تقارير مفصلة حول وضعية السلامة داخل الورشات، وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة بالتنسيق مع مصالح مفتشية العمل، بما يعزز فعالية التفتيش، التحسيس، والتوعية الصحية.
كما دعا إلى مرافقة المؤسسات في إعداد وتطبيق التدابير الوقائية الجماعية والفردية، خاصة ما تعلق بوسائل الحماية الشخصية، تحسين ظروف العمل، والحد من العوامل المسببة للأمراض المهنية والحوادث الخطيرة.
وفي محور ذي صلة، أبرز الوزير أهمية توحيد آليات جمع وتحليل بيانات حوادث العمل والأخطار المهنية، واستغلالها في إعداد دراسات تحليلية استباقية، تدعم اتخاذ القرار الصحي وتحسين السياسات الوقائية الوطنية، بما ينعكس إيجابًا على صحة العمال وتقليص نسب الحوادث.
وفي إطار التحول الرقمي، شدد الوزير على ضرورة تطوير برامج تكوين رقمية لفائدة العمال والمؤسسات عبر منصات تفاعلية، لترسيخ ثقافة الوقاية والصحة المهنية، وتوسيع نطاق التحسيس باستخدام أدوات الرقمنة، بما يسمح بالوصول إلى أكبر عدد ممكن من العمال، خاصة في المناطق والورشات البعيدة.
كما أكد على التعجيل برقمنة جميع خدمات هيئة الوقاية والتخلي عن أنماط التسيير التقليدية، إلى جانب تطوير منظومة معلوماتية وطنية متكاملة وآمنة، قابلة للتشغيل البيني، ومتوافقة مع المعايير الحديثة في مجال الصحة والسلامة المهنيتين.
وفي ختام اللقاء، جدد وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي تأكيده على أن الرقمنة والوقاية الذكية تمثلان ركيزتين أساسيتين لبناء منظومة وطنية فعالة للسلامة والصحة المهنيتين، مشددًا على أن حماية صحة وسلامة العمال، خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية والري، ليست خيارًا بل مسؤولية جماعية وأولوية وطنية قصوى.
مريم عزون