«سوبر إنفلونزا» أم إنفلونزا موسمية بوجه جديد؟ السلالة الفرعية K تثير الجدل دون ذعر علمي
مع بداية موسم الإنفلونزا في عدد من مناطق العالم، تصاعد الجدل حول ظهور سلالة فرعية جديدة من فيروس الإنفلونزا A (H3N2) تُعرف باسم السلالة “K”، بعد أن وصفتها بعض العناوين الإعلامية بـ«السوبر إنفلونزا». غير أن القراءة العلمية المتأنية تشير إلى أن الأمر يتعلق بتطور طبيعي لفيروس موسمي معروف، أكثر منه تهديدًا صحيًا استثنائيًا خارج السيطرة.
السلالة الفرعية “K” ليست فيروسًا جديدًا بالكامل، بل هي تفرع جيني داخل فيروس H3N2، أحد أكثر فيروسات الإنفلونزا شيوعًا في المواسم السابقة. وقد جرى رصدها لأول مرة خلال منتصف عام 2025، قبل أن تنتشر تدريجيًا في عدد متزايد من الدول، خاصة مع تنقل السكان ودخول فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي. هذا الانتشار السريع يعكس سلوك فيروسات الإنفلونزا المعروفة بقدرتها المستمرة على التحور، وليس ظهور عامل مرضي غير مسبوق.
ورغم الضجة الإعلامية، يؤكد خبراء الفيروسات أن مصطلح «سوبر إنفلونزا» لا أساس علميًا له، ولا توجد إلى حد الآن دلائل على أن السلالة “K” أكثر فتكًا أو تسبب أعراضًا أشد خطورة مقارنة بالإنفلونزا الموسمية المعتادة. الأعراض المسجلة لدى المصابين لا تختلف كثيرًا عن الصورة الإكلينيكية المعروفة: حمى، سعال، إرهاق، آلام عضلية، وأحيانًا مضاعفات لدى الفئات الهشة مثل كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.
في بعض الدول، سُجّل بدء مبكر لموسم الإنفلونزا مع ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات، ما وضع ضغطًا إضافيًا على الأنظمة الصحية، غير أن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة موسمًا أكثر خطورة، بل قد يكون مرتبطًا بعوامل مناخية وسلوكية، إضافة إلى تراجع الإقبال على التلقيح في بعض الفئات العمرية خلال السنوات الأخيرة.
أما بخصوص اللقاحات، فتشير المعطيات الأولية إلى أن اللقاح الموسمي الحالي لا يزال يوفر حماية معتبرة ضد السلالة الفرعية “K”، خاصة في ما يتعلق بالحالات الشديدة التي تستدعي الاستشفاء. ورغم أن فعالية اللقاح ضد سلالات H3N2 تُعد تقليديًا أقل مقارنة بسلالات أخرى، فإنها تبقى أداة أساسية للحد من المضاعفات والوفيات، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن.
ويجمع المختصون على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحور الفيروس بحد ذاته، بل في ضعف التغطية بالتطعيم، وتراخي الالتزام بالإجراءات الوقائية البسيطة. فالإنفلونزا الموسمية، على اختلاف سلالاتها، ما تزال تشكل عبئًا صحيًا عالميًا يتسبب سنويًا في ملايين الحالات الشديدة ومئات الآلاف من الوفيات، رغم توفر وسائل فعالة للوقاية منها.
في المحصلة، تمثل السلالة الفرعية “K” حلقة جديدة في سلسلة التطور الطبيعي لفيروس الإنفلونزا، وليست نذير وباء جديد. وبين التهويل الإعلامي والحقائق العلمية، تبقى الرسالة الأهم واضحة: التلقيح، اليقظة الصحية، والالتزام بالسلوكيات الوقائية تظل خط الدفاع الأول في مواجهة الإنفلونزا، مهما تغيرت أسماؤها أو سلالاتها.
فاطمة الزهراء عاشور