أرقام صادمة وتعهدات عالمية: إعلان أممي يضع الأمراض المزمنة والصحة النفسية في قلب المعركة الصحية

في مواجهة أزمة صحية عالمية تتسبب سنويًا في ملايين الوفيات وتستنزف الاقتصادات الوطنية، اعتمد قادة دول العالم إعلانًا سياسيًا غير مسبوق خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، يربط لأول مرة بين مكافحة الأمراض غير السارية وتعزيز الصحة النفسية ضمن رؤية موحدة بأهداف رقمية واضحة حتى عام 2030.

ووفق معطيات منظمة الصحة العالمية، تتسبب الأمراض غير السارية، وعلى رأسها أمراض القلب والسرطان والسكري والأمراض التنفسية المزمنة، في نحو 18 مليون وفاة مبكرة سنويًا قبل سن السبعين، أي ما يعادل تقريبًا ثلث الوفيات العالمية. وفي موازاة ذلك، يعاني أكثر من مليار شخص من اضطرابات الصحة النفسية، بينما لا يحصل سوى أقل من 30٪ منهم في العديد من الدول على رعاية مناسبة، بسبب ضعف التمويل وندرة الخدمات المتخصصة.

الإعلان الأممي الجديد لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يضع التزامات رقمية طموحة، أبرزها خفض عدد مستخدمي التبغ عالميًا بـ150 مليون شخص، وتمكين 150 مليون شخص إضافي من التحكم في ارتفاع ضغط الدم، إلى جانب توسيع خدمات الصحة النفسية لتشمل 150 مليون شخص جديد خلال السنوات الخمس المقبلة. وتُعد هذه الأهداف، بحسب خبراء الصحة العامة، من بين أكثر الالتزامات دقة ووضوحًا التي تعتمدها الأمم المتحدة في مجال الصحة.

كما يشدد الإعلان على إصلاحات هيكلية في النظم الصحية، إذ يدعو إلى أن تعتمد 80٪ من الدول سياسات وتشريعات وقائية فعالة، وأن تتوفر الأدوية والتقنيات الأساسية للأمراض المزمنة والصحة النفسية في 80٪ من مرافق الرعاية الصحية الأولية، مع توسيع الحماية المالية لتشمل 60٪ من الدول بهدف تقليص الإنفاق الصحي من جيوب المواطنين. ويؤكد النص ضرورة امتلاك 80٪ من الدول خططًا وطنية متعددة القطاعات وأنظمة رصد دقيقة لمتابعة التقدم المحقق.

الأهمية السياسية للإعلان تتجلى أيضًا في كسره التهميش التاريخي للصحة النفسية، حيث يعترف صراحة بأن عوامل الخطر نفسها — كالتدخين، وسوء التغذية، وقلة النشاط البدني، وتلوث الهواء — تؤثر في الصحة الجسدية والعقلية معًا. كما وسّع نطاق الاهتمام ليشمل مجالات طالما ظلت على الهامش، مثل الصحة الفموية، وسرطان الطفولة، وأمراض الكبد والكلى، وتأثير التلوث الكيميائي والرقمي على الصحة النفسية.

وفي تعليق له، اعتبر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن هذه الالتزامات تمثل «فرصة حقيقية لإنقاذ ملايين الأرواح»، مشددًا على أن كل دولار يُستثمر في الوقاية يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا يصل إلى سبعة دولارات من خلال تقليص كلفة العلاج وزيادة الإنتاجية.

غير أن الإعلان، رغم لغته الحازمة وأرقامه الواضحة، يضع الحكومات أمام اختبار صعب، يتمثل في القدرة على تحويل التعهدات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، خصوصًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل التي تتحمل أكثر من 75٪ من وفيات الأمراض غير السارية عالميًا. وبينما تعهدت الأمم المتحدة بآليات متابعة وتقديم تقارير دورية عن التقدم المحرز، يبقى الرهان الحقيقي معلقًا على الإرادة السياسية والتمويل المستدام.

وبين حجم الأرقام وخطورة التحدي، يقدّم هذا الإعلان نفسه كخط فاصل بين نهج صحي قائم على ردّ الفعل، وآخر يسعى إلى الوقاية والإنصاف. فإما أن يتحول إلى نقطة تحول في تاريخ الصحة العالمية، أو يظل وثيقة طموحة تصطدم بواقع التنفيذ.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد