العقاب الجسدي للأطفال: وباء صامت يقوّض صحتهم ومستقبلهم
لم يعد العقاب الجسدي للأطفال مجرد وسيلة تقليدية في التربية كما كان يُبرّر لعقود، بل تحول إلى وباء صامت يهدد صحة الملايين حول العالم. تقرير جديد لمنظمة الصحة العالمية كشف أرقامًا صادمة: أكثر من 1.2 مليار طفل يتعرضون سنويًا لأشكال مختلفة من الضرب والعنف داخل بيوتهم، فيما صرّح 17% منهم أنهم خضعوا الشهر الماضي لعقوبات جسدية قاسية، تراوحت بين الصفع المتكرر على الوجه والضرب على الرأس أو الأذنين.
المدرسة لم تكن مكانًا آمنًا أيضًا؛ فالأرقام تكشف أن سبعة من كل عشرة تلاميذ في إفريقيا وأمريكا الوسطى عايشوا هذا النوع من العنف خلال سنوات دراستهم، بينما انخفضت النسبة إلى ربع التلاميذ فقط في منطقة المحيط الهادئ الغربي.
ما هو أخطر من الأرقام هو الأثر الخفي لهذا العنف: الأطفال الذين يتعرضون للعقاب الجسدي تقل احتمالات نموّهم وتطورهم الطبيعي بنسبة 24% مقارنة بغيرهم، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات القلق، الاكتئاب، ضعف احترام الذات، والميول العدوانية التي قد تلازمهم حتى مرحلة البلوغ. والأدهى أن التقرير يخلص إلى حقيقة لا تقبل الجدل: العقاب الجسدي لا يحقق أي فائدة تربوية أو سلوكية، بل يضاعف المخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية.
المنظمة الأممية شددت على أن مواجهة هذه الظاهرة لا تكفيها القوانين وحدها. المطلوب، بحسب الخبراء، هو إصلاح تربوي شامل يوفّر بدائل إيجابية للعقاب، وتدريب الآباء والمعلمين على أساليب حضارية للتواصل مع الأطفال، إلى جانب حملات توعية واسعة تُذكّر بأن كرامة الطفل خط أحمر لا يجوز المساس به.
إتيان كروس، المدير المسؤول عن الصحة الوقائية في منظمة الصحة العالمية، لخص الرسالة بوضوح: “الأدلة الآن قاطعة: العقاب الجسدي يضر بصحة الأطفال ولا يحمل أي نفع لهم أو للمجتمع.”
إنها دعوة صريحة إلى العالم بأسره: لا مستقبل لمجتمع يعنّف أبناءه. فالأطفال ليسوا مجرد أفراد صغار في طور النمو، بل هم ثروة بشرية تحتاج إلى الحماية، والحنان، والتعليم بعيدًا عن الخوف. مواجهة هذا الوباء الصامت هي معركة أخلاقية قبل أن تكون قانونية أو صحية.
فاطمة الزهراء عاشور