الحافلات الكهربائية… ولمَ لا؟
في شوارع مزدحمة يختلط فيها الغبار بدخان المركبات، يخرج الخطر من الخارج المنبعث من المحرك، محمّلًا بالغازات السامة والجسيمات الدقيقة. كل رحلة على متن الحافلات المهترئة تتحول إلى جرعة إضافية من التلوث، تدخل الرئتين بصمت وتترك أثرًا لا يُمحى.
الأطباء يحذّرون: الهواء الملوث لا يقف عند حدود السعال أو ضيق التنفس، بل يرفع من مخاطر أمراض القلب والجلطات الدماغية. ومع شيخوخة أسطول النقل الحضري، يصبح المواطن رهينة حافلات تتحرك ببطء، تستهلك كثيرًا وتنفث أكثر.
أمام هذا الواقع، تبرز فكرة قد تبدو بعيدة لكنها قابلة للتحقيق: إدخال الحافلات الكهربائية. خطوة يمكن أن تبدأ بنسبة بسيطة من الحافلات الجديدة، لتفتح الطريق نحو انتقال تدريجي إلى نقل حضري أنظف وأكثر استدامة.
التجارب الدولية أثبتت أن الحافلة الكهربائية ليست ترفًا بيئيًا، بل خيارًا اقتصاديًا على المدى المتوسط. صحيح أن كلفتها الأولية مرتفعة، لكنها توفّر في الاستهلاك والصيانة، وتطيل عمر المركبة، وتخفّض بشكل ملموس فاتورة الصحة العمومية الناتجة عن الأمراض المرتبطة بالتلوث.
والجزائر ليست بعيدة عن هذا التحول. فمشاريع الطاقة المتجددة، والشبكة الكهربائية الوطنية الواسعة، تمنح البلاد قاعدة متينة يمكن البناء عليها. المسألة لا تتعلق فقط بالتقنية، بل أيضًا بالإرادة: هل نستمر في الاستثمار في حافلات تقليدية تخنق المدن أكثر فأكثر؟ أم نفتح نافذة للمستقبل ونمنح المواطن حقه في هواء أنظف ووسيلة نقل عصرية؟
الحافلات الكهربائية لن تغيّر وجه النقل العام بين ليلة وضحاها، لكنها ستكون إشارة قوية بأن الجزائر قررت أن تسلك طريقًا مختلفًا. خطوة صغيرة قد تحمل وعدًا كبيرًا: أن يتحوّل التنقّل من مصدر خطر إلى جزء من الحل.
مريم عزون