الرضاعة الطبيعية: قضية صحية مهملة رغم عوائدها الهائلة

في زمن تتزايد فيه الدعوات إلى العدالة الصحية والإنصاف الاجتماعي، تبقى الرضاعة الطبيعية واحدة من أكثر التدخلات الصحية فاعلية وأقلها تكلفة، لكنها أيضًا من أكثرها تهميشًا في السياسات العمومية. بمناسبة أسبوع الرضاعة الطبيعية العالمي، أطلقت منظمة الصحة العالمية واليونيسف نداءً صريحًا يدعو الدول إلى الاستثمار الجاد في أنظمة الرعاية الصحية ودعم الأمهات المرضعات، ليس فقط كشأن إنساني، بل كضرورة تنموية عاجلة.

فالرضاعة ليست مجرد خيار شخصي، بل حق صحي يجب أن تضمنه الدول. هي اللقاح الأول في حياة الطفل، والسند الغذائي والنفسي الأهم في شهوره الأولى. ومع ذلك، تكشف الأرقام أن أقل من نصف أطفال العالم دون سن الستة أشهر يحظون برضاعة طبيعية حصرية، أي دون أي مكمل غذائي أو مشروب، وهي نسبة أدنى بكثير من الهدف الدولي المحدد بـ 60% في أفق 2030.

لا يعود هذا التراجع إلى نقص وعي الأمهات، بل إلى هشاشة الأنظمة الصحية وغياب الدعم في اللحظة التي تحتاج فيها الأم إلى المرافقة والمعلومة والتشجيع. فالخروج من المستشفى بعد الولادة دون استشارة أو توجيه هو القاعدة لا الاستثناء. وفي أكثر من أربعة أخماس دول العالم، لا يحصل العاملون في الصحة على تدريب كاف حول تغذية الرضع، ما يترك الأمهات فريسة للشك والارتباك والتوجيهات التجارية التي تروج لبدائل الحليب.

لكن المفارقة الصادمة أن كل دولار يُستثمر في تشجيع الرضاعة الطبيعية يعود بعائد اقتصادي يقدر بـ 35 دولارًا. من حيث الصحة العامة، تقلل الرضاعة من معدلات الإصابة بالإسهال والالتهابات التنفسية، وتحد من وفيات الأطفال، وتؤثر إيجابيًا على النمو الذهني والعاطفي للطفل. ومن حيث الاقتصاد، تخفف الضغط عن الأنظمة الصحية وتقلص الإنفاق على الأدوية والاستشفاء، فضلًا عن مساهمتها في بناء رأس مال بشري أكثر صحة واستعدادًا.

ورغم كل هذا، لا تزال معظم الدول تخصص ميزانيات هامشية لمجالات دعم الأمهات في مرحلة ما بعد الولادة، بل وتغض الطرف أحيانًا عن ممارسات تسويقية تخالف المدونة الدولية لتسويق بدائل الحليب البشري، ما يكرّس مزيدًا من الارتباك في خيارات الأمهات ويضعف الثقة في الرضاعة الطبيعية.

إن هذا النداء الأممي لا يطلب معجزات، بل قرارات سياسية واضحة: دمج دعم الرضاعة في مسارات الرعاية الصحية، تأهيل الطواقم الطبية، الاستثمار في الاستشارات المجتمعية، وحماية الأمهات من التوجيه التجاري المنحاز. هي دعوة إلى العدالة في نقطة انطلاق الحياة، إلى اعتبار الرضاعة الطبيعية شأناً عاماً لا شأناً عائلياً خاصاً.

لأن صحة الأجيال لا تُبنى في المختبرات ولا تُشترى من الأسواق، بل تبدأ من صدر أم، ومن نظام صحي يعي أن أولى أولوياته تبدأ هناك.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد