اكتشاف ثوري: الخلايا الدهنية في نخاع العظم تُسرّع شيخوخة الهيكل العظمي
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Aging يوم 29 يوليو 2025، كشف باحثون من جامعة جونز هوبكنز عن دور غير متوقع لخلايا ظلت طويلاً في ظل الاهتمام العلمي: الخلايا الدهنية في نخاع العظم. فقد أظهرت النتائج أن هذه الخلايا، مع تقدم العمر، تتحوّل إلى مصدر رئيسي لمركّب بروتيني يُدعى Serum Amyloid P، يساهم في تراكم ترسّبات أميليودية في العظام، مما يؤدي إلى تدهور صحتها وظهور أعراض الشيخوخة الهيكلية.
المركّب البروتيني المكتشف، المعروف اختصارًا بـ SAP، سبق أن ارتبط بمرض الزهايمر نظراً لدوره في تثبيت خيوط الأميليود. لكن ما لم يكن معروفًا هو أن نفس هذا البروتين يُفرز بكثافة من الخلايا الدهنية داخل نخاع العظم، وأنه يتراكم مع الوقت على شكل ألياف أميليودية تُضعف بنية العظام وتعطل عملية تجديدها.
الدراسة، التي أُجريت على نماذج حيوانية شملت فئران مسنّة وأخرى محمّلة بجينات الزهايمر، أظهرت وجود رواسب أميليودية واضحة في نخاع العظام، مصدرها الأساسي الخلايا الدهنية النخاعية. وقد صاحب ذلك تراجع في كثافة العظام وارتفاع في نشاط الخلايا الهادمة للعظم، في حين تضاءل نشاط الخلايا البنّاءة.
الأهم في هذه النتائج هو ما كشفت عنه التجارب العلاجية: استخدام دواء يستهدف إزالة بروتين SAP من الدم، أدى خلال ستة أسابيع فقط إلى انخفاض بنسبة 95% في مستويات البروتين داخل نخاع العظم، مع تحسن ملموس في كثافة العظام ومتانتها.
هذا الاكتشاف لا يسلّط الضوء فقط على آلية جديدة لشيخوخة العظام، بل يقترح وجود رابط بيولوجي مباشر بين الأمراض التنكسية العصبية، مثل الزهايمر، والانهيار الهيكلي في الجسم. فالأميليود لم يعد حكرًا على الدماغ، بل صار فاعلًا رئيسيًا في قصة تآكل العظام بصمت.
تقول الباحثة الرئيسية في الفريق، مي وان، إن النتائج تمثل اختراقًا علميًا في فهم دور الخلايا الدهنية النخاعية التي لطالما اعتُبرت مجرد مخزن للطاقة، قبل أن يتضح أنها تفرز عوامل تؤدي إلى تلف الأنسجة الصلبة في الجسم.
في ضوء هذا التقدم، تتجه الأنظار إلى إمكانات جديدة لعلاج هشاشة العظام المرتبطة بالشيخوخة، ليس فقط عبر تقوية العظام، بل عبر معالجة البيئة البيولوجية التي تُغذي انهيارها، بدءًا من الخلايا التي تعيش في عمق نخاعها.
هكذا تكشف العلوم مرة أخرى أن الشيخوخة ليست قدراً لا مفر منه، بل نتيجة تفاعلات يمكن فهمها، وربما كبح جماحها. ومع كل بروتين يُكتشف، نقترب أكثر من إعادة رسم خريطة الزمن داخل أجسادنا.
فاطمة الزهراء عاشور