لماذا يلسعك البعوض أكثر من غيرك؟ العلم يُشير إلى بعض التفسيرات

كثيرًا ما نلاحظ أن البعوض لا يوزّع لدغاته بالتساوي. في سهرة واحدة، قد يخرج البعض دون أثر، بينما يعود آخرون مليئون بالعلامات الحمراء. فهل يملك البعوض فعلاً “تفضيلات”؟ تشير الأبحاث العلمية إلى أن الإجابة ليست بسيطة، لكن بعض العوامل تبرز بانتظام كأسباب محتملة تزيد من احتمال التعرّض للسع.

أحد العوامل التي ثبتت علميًّا هو ثاني أكسيد الكربون الذي نخرجه أثناء التنفس. كلما زادت كمية هذا الغاز – كما هو الحال عند الأشخاص الأكبر حجمًا أو من يمارسون نشاطًا بدنيًا – زادت فرصة أن يلتقط البعوض هذا الإشعار الكيميائي ويقترب.

الحرارة والروائح المنبعثة من الجلد تلعب دورًا كذلك. يتفاعل العرق مع بكتيريا الجلد ليُنتج مركبات مثل حمض اللاكتيك والأمونيا وبعض الأحماض الدهنية، وكلّها قد تجعل بعض الأشخاص أكثر جاذبية للبعوض. لكنّ هذا التأثير يختلف من شخص إلى آخر، ولا توجد “رائحة سحرية” واحدة يمكن تعميمها.

تطرح بعض الدراسات أيضًا علاقة بين فصيلة الدم وقابلية اللدغ. ففي تجارب محدودة، تَبيَّن أن أصحاب فصيلة الدم O قد يتعرّضون للسع أكثر من غيرهم، لكن هذه النتائج تبقى بحاجة إلى تأكيد أوسع، خاصة أن التأثير يبدو جزئيًا ومحدودًا مقارنةً بعوامل أخرى.

الجينات بدورها قد تلعب دورًا مهمًا، إذ أظهرت دراسة أجريت على توائم متطابقين أن لديهم معدّلات لدغ متقاربة، ما يُشير إلى احتمال وجود مكوّن وراثي يؤثّر على “جاذبية الشخص” لدى البعوض. لكن هذا المجال لا يزال في طور البحث، ولا يمكن تحديد الجينات المسؤولة بدقة حتى الآن.

من بين العوامل الأخرى التي رُصدت سلوكيًا: الألوان الداكنة، مثل الأسود والأحمر، التي يبدو أنها تجذب البعوض أكثر من الألوان الفاتحة، لأنها تُرى بوضوح في محيط منخفض الإضاءة. كما أن التعرّق المفرط أو ارتفاع حرارة الجسم، الناتج عن النشاط البدني أو الحمل، قد يزيد من قابلية الشخص لأن يكون هدفًا.

أما الجانب المثير، فهو أن بعض الدراسات التجريبية أظهرت أن البعوض يمكنه تعلّم ربط روائح معيّنة بتجارب سلبية، كالمحاولة المتكررة لرده أو صده، فيبدأ بتجنّبها لاحقًا. لكن هذا النوع من “الذاكرة الحشرية” لا يزال في طور الدراسة، ويحتاج إلى مزيد من التأكيد لتطبيقه عمليًا.

في المحصلة، لا توجد قاعدة واحدة تحدّد من يلسعه البعوض ومن لا يلسعه. بل هو تفاعل معقّد بين إشارات كيميائية وحرارية وبصرية تصدر عن أجسامنا دون وعي، ويبدو أن بعضها يلقى استحسانًا لدى هذه الحشرات أكثر من غيره.

لهذا، فإن بعض الإجراءات البسيطة قد تساعد في التقليل من فرص التعرّض، مثل ارتداء ملابس فاتحة، تقليل التعرّق، والحرص على النظافة الشخصية. لكنها ليست ضمانًا للنجاة، بل مجرّد وسائل للحدّ من الجاذبية المؤقتة. أما السبب الحقيقي الذي يجعل البعوض “يفضّلك” على غيرك، فقد يظل جزئيًا لغزًا… بانتظار أن يفكّكه العلم نهائيًا.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد