ليس الحظ وحده… كيف نحافظ على دماغ شاب وذاكرة قوية مع التقدم في العمر؟
يخشى كثير من الناس من فقدان الذاكرة أو تراجع القدرات الذهنية مع التقدم في العمر، ويعتبرون ذلك جزءاً طبيعياً لا يمكن تجنبه. لكن ما تكشفه الأبحاث الحديثة يحمل رسالة أكثر تفاؤلاً: فصحة الدماغ لا يحددها العمر وحده، بل تتأثر إلى حد كبير بالخيارات التي نتخذها كل يوم.
فالدماغ ليس عضواً ثابتاً يتوقف عن التطور بعد مرحلة معينة من الحياة، بل يتمتع بقدرة مدهشة على التكيف وإعادة تنظيم نفسه وبناء روابط عصبية جديدة. ويؤكد العلماء أن هذه القدرة، المعروفة بـ«المرونة العصبية»، يمكن تعزيزها والمحافظة عليها عبر مجموعة من العادات الصحية البسيطة.
وتأتي الحركة في مقدمة هذه العادات. فالنشاط البدني المنتظم لا يقوي القلب والرئتين فحسب، بل ينعكس مباشرة على الدماغ. فعندما نمارس المشي أو السباحة أو أي نشاط رياضي معتدل، يزداد تدفق الدم المحمل بالأكسجين والمواد المغذية إلى الخلايا العصبية، ما يساعد على تحسين الذاكرة والتركيز والقدرة على التعلم. وتشير دراسات متزايدة إلى أن الأشخاص الذين يحافظون على نشاطهم البدني مع تقدم العمر يكونون أقل عرضة للتدهور المعرفي.
ولا تقل أهمية النوم عن أهمية الرياضة. فخلال ساعات النوم العميق، ينشغل الدماغ بترتيب المعلومات التي اكتسبها خلال النهار وتثبيت الذكريات والتخلص من بعض الفضلات التي تتراكم أثناء النشاط اليومي. ولهذا فإن النوم غير الكافي أو المتقطع لا يؤدي فقط إلى التعب، بل قد يؤثر أيضاً في الذاكرة والانتباه وسرعة التفكير.
أما الغذاء، فقد أصبح يُنظر إليه اليوم باعتباره أحد أهم عوامل حماية الدماغ. فالأطعمة الغنية بالخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والأسماك توفر عناصر غذائية تساعد على مكافحة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وهما من العوامل المرتبطة بشيخوخة الدماغ. في المقابل، يرتبط الإفراط في تناول الأطعمة فائقة التصنيع والسكريات والدهون غير الصحية بزيادة مخاطر الاضطرابات المعرفية على المدى الطويل.
لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يقتصر على ما نأكله أو على عدد الخطوات التي نمشيها يومياً. فالدماغ يحتاج أيضاً إلى التحدي المستمر. وتظهر الأبحاث أن تعلم لغة جديدة، أو العزف على آلة موسيقية، أو القراءة المنتظمة، أو حتى اكتساب مهارة لم تكن مألوفة من قبل، كلها أنشطة تحفز الخلايا العصبية على إنشاء مسارات جديدة، ما يساعد على بناء ما يسميه العلماء «الاحتياطي المعرفي»، أي قدرة الدماغ على مقاومة آثار الشيخوخة والأمراض.
كما أن العلاقات الاجتماعية تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد سابقاً. فالحوارات اليومية، واللقاءات العائلية، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، لا توفر فقط شعوراً بالانتماء والدعم النفسي، بل تحفز أيضاً مناطق متعددة من الدماغ مسؤولة عن الذاكرة والانتباه واللغة واتخاذ القرار. ولهذا ترتبط العزلة الاجتماعية بزيادة خطر التدهور المعرفي والاكتئاب لدى كبار السن.
ويشدد المختصون كذلك على أهمية التحكم في عوامل الخطر الصحية مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول والسمنة والتدخين. فهذه الحالات لا تؤثر في القلب والأوعية الدموية فقط، بل قد تُلحق أضراراً تدريجية بالأوعية الدقيقة التي تغذي الدماغ، ما ينعكس سلباً على وظائفه مع مرور الوقت.
ورغم التقدم الكبير الذي حققه العلم في فهم أمراض الدماغ، لا يزال الخبراء يتفقون على حقيقة أساسية: لا توجد حبة سحرية أو علاج معجزة يضمن الحفاظ على الذاكرة مدى الحياة. لكن هناك ما هو أقرب إلى الوصفة الذهبية، وهي الجمع بين النشاط البدني، والتغذية الصحية، والنوم الجيد، والتحفيز الذهني، والعلاقات الاجتماعية النشطة.
فالدماغ، شأنه شأن بقية أعضاء الجسم، يتأثر بما نفعله كل يوم. وكل خطوة نمشيها، وكل كتاب نقرأه، وكل مهارة نتعلمها، وكل ساعة نوم نحصل عليها، تمثل استثماراً صغيراً في رأس مالنا الأثمن: عقل قادر على التفكير والتذكر والتعلم، مهما تقدم بنا العمر.
فاطمة الزهراء عاشور