اضطرابات النوم قد تلاحق الصحة النفسية لسنوات طويلة.. والنساء يدفعن الثمن الأكبر
في وقت ينظر فيه كثيرون إلى الأرق واضطرابات النوم على أنها مشكلات عابرة يمكن تعويضها ببضع ساعات إضافية من الراحة، تكشف دراسة أمريكية جديدة أن تأثير النوم السيئ قد يمتد لسنوات طويلة، وأن انعكاساته على الصحة النفسية قد تكون أعمق وأكثر دواماً مما كان يُعتقد سابقاً، خاصة لدى النساء.
الدراسة، التي عُرضت خلال المؤتمر السنوي لطب النوم «SLEEP 2026»، تابعت مئات البالغين في منتصف العمر وكبار السن على مدى تسع سنوات كاملة، بهدف استكشاف العلاقة بين جودة النوم والرفاه النفسي على المدى البعيد. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في النوم يكونون أكثر عرضة لتراجع الشعور بالرضا عن الحياة والانخفاض في مؤشرات الرفاه النفسي بعد سنوات طويلة، حتى مع أخذ عوامل أخرى مؤثرة في الحسبان.
واعتمدت الدراسة على بيانات 574 مشاركاً ضمن مشروع أمريكي طويل الأمد يُعنى بدراسة الشيخوخة والصحة النفسية. وكان متوسط أعمار المشاركين عند بداية الدراسة 52 عاماً، بينما شكّلت النساء أكثر من نصف العينة. وقام الباحثون بتقييم جودة النوم باستخدام أدوات علمية معتمدة، ثم أعادوا قياس مستويات الرفاه النفسي بعد تسع سنوات لمقارنة النتائج ورصد التغيرات.
وأظهرت التحليلات أن سوء النوم في منتصف العمر يرتبط بانخفاض مستويات الرفاه النفسي في المستقبل، غير أن المفاجأة تمثلت في وجود فروق واضحة بين الرجال والنساء. فبعد ضبط مختلف العوامل الاجتماعية والصحية والاقتصادية، ظلت العلاقة بين اضطرابات النوم وتراجع الرفاه النفسي قوية وواضحة لدى النساء، بينما تراجعت أهميتها الإحصائية لدى الرجال.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعكس اختلافات بيولوجية ونفسية معقدة بين الجنسين. فالنساء أكثر عرضة لتغيرات هرمونية متكررة خلال مراحل الحياة المختلفة، كما أنهن غالباً ما يتحملن أعباء اجتماعية وأسرية إضافية قد تجعل تأثير اضطرابات النوم أكثر عمقاً على التوازن النفسي والعاطفي.
وتأتي هذه النتائج في سياق تزايد الاهتمام العالمي بأهمية النوم باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للصحة، إلى جانب التغذية السليمة والنشاط البدني. فقد أثبتت دراسات سابقة أن النوم غير الكافي أو المتقطع يرتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين والسكري والسمنة واضطرابات الذاكرة، إلا أن الدراسة الجديدة تضيف بعداً آخر يتمثل في التأثير طويل الأمد على الشعور بالسعادة والرضا وجودة الحياة.
وأكدت الباحثة الرئيسية فوميكو هامادا من جامعة جنوب فلوريدا أن نتائج الدراسة تسلط الضوء على ضرورة التعامل مع اضطرابات النوم بوصفها قضية صحية حقيقية وليست مجرد مصدر إزعاج يومي. وأوضحت أن تحسين جودة النوم في مرحلة منتصف العمر قد يمثل وسيلة فعالة للحفاظ على الصحة النفسية وتعزيز الرفاه النفسي في السنوات اللاحقة من الحياة.
ويرى مختصون أن هذه المعطيات قد تدفع الأنظمة الصحية إلى منح اضطرابات النوم اهتماماً أكبر ضمن برامج الوقاية وتعزيز الصحة النفسية، خاصة لدى النساء في منتصف العمر، حيث يمكن للتشخيص المبكر والعلاج المناسب أن يحدّا من آثار قد تستمر لسنوات طويلة.
فاطمة الزهراء عاشور