لا وجود لإنسان نموذجي: الجينات تكشف أننا أكثر اختلافاً مما نتصور
في تطور علمي غير مسبوق، كشفت دراستان عالميتان أن الجينات البشرية أكثر تعقيداً وتنوعاً مما كنا نعتقد. هذه الاكتشافات، التي وُصفت بأنها “نقطة تحول” في فهمنا للحمض النووي البشري، تعني ببساطة أننا لا نستطيع بعد اليوم الاعتماد على خريطة جينية واحدة تمثل جميع البشر.
العلماء حللوا جينات 64 شخصاً من أصول وخلفيات جينية مختلفة، ووجدوا ما يقارب مليوني قطعة جديدة من الحمض النووي لم تكن معروفة من قبل. هذه الأجزاء المفقودة من “البازل الجيني” قد تفسّر لماذا لا يتفاعل الناس بنفس الطريقة مع الأدوية، أو لماذا يكون بعضهم أكثر عرضة لأمراض معينة من غيرهم.
لكن المفاجأة الأكبر أن ترتيب الجينات وعدد نسخها يختلف من شخص لآخر بشكل لافت. هذا يعني أن كل إنسان يمتلك “خريطته الجينية الخاصة”، وأن الجينوم البشري ليس قالباً واحداً يمكن نسخه وتعميمه.
ما كنا نسميه “الجينوم المرجعي”، وهو الخريطة التي اعتمد عليها الأطباء والباحثون منذ أكثر من عشرين عاماً، لم يعد كافياً. فقد بُني في الأصل على عيّنات محدودة، معظمها من أشخاص من أصول أوروبية، ولا يعكس التنوّع البشري الحقيقي على كوكب الأرض.
هذه النتائج قد تغيّر مستقبل الطب، إذ يصبح من الضروري الانتقال إلى ما يُعرف بـ “الطب الدقيق”، أي أن تكون العلاجات والتشخيصات مصممة بناءً على التركيبة الجينية الخاصة بكل مريض، وليس على نموذج عام.
في ضوء هذه الاكتشافات، تظهر حقيقة علمية وإنسانية في آن واحد: لا أحد يشبه الآخر تماماً، حتى في أعماق خلاياه. الجينات لا توحدنا فقط، بل تكشف اختلافاتنا الجميلة والمعقدة، وتعيد رسم صورة الإنسان كما لم نرها من قبل.
فاطمة الزهراء عاشور