النشاط البدني المنتظم يعيد برمجة النوم: دراسة علمية تكشف علاقة التمرّن المتكرر بجودة الراحة الليلية

في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة اليومية وتتشابك الضغوط النفسية والبدنية، يعود سؤال النوم الصحي ليطرح نفسه بإلحاح. هل يكفي أن ننام عدد ساعات كافٍ؟ أم أن جودة النوم أهم من كميته؟ دراسة علمية نُشرت يوم 15 جويلية 2025 في مجلة Journal of Physical Activity and Health تقدّم إجابة دقيقة على هذا السؤال، مؤكدة أن النشاط البدني المتكرر، وليس المكثف بالضرورة، يحمل مفتاح التوازن الليلي.

الدراسة التي استغرقت ثمانية أشهر، شملت مجموعة من الشباب (بمتوسط عمر 21.5 سنة)، ارتدوا أجهزة تتبّع النوم والحركة، مع تعبئة استبيانات دورية حول المزاج والطاقة وشعورهم العام عند الاستيقاظ. الهدف كان واضحًا: رصد التغيرات في ما يُعرف بـ بنية النوم (Sleep Architecture)، وهي التوزيع الزمني لمراحل النوم المختلفة، مثل النوم الخفيف، العميق، ونوم حركة العين السريعة (REM).

أحد أبرز نتائج الدراسة تمثل في أن ممارسة نشاط بدني خفيف إلى معتدل لمدة 10 دقائق يوميًا على مدار خمسة أيام فقط، كان كافيًا لإحداث تأثيرات بيولوجية واضحة على النوم. المشاركون الذين اتبعوا هذا النمط شهدوا انخفاضًا ملحوظًا في نسبة نوم حركة العين السريعة خلال الساعات الثلاث الأولى من النوم، ما يُعد مؤشرًا على توازن أفضل بين مراحل النوم، وتهيئة الجسم للنوم العميق المرمم.

وعلى نحو لافت، تبين أن النشاط المتقطع – مثل الوقوف والتحرك لخمس دقائق كل ساعة خلال النهار – ساهم في تحسين نوعية النوم، وزيادة مدته الإجمالية، وتحسين المزاج عند الاستيقاظ. هذه النتائج تضرب فكرة سائدة مفادها أن النوم لا يتحسّن إلا من خلال الجهد الرياضي المكثف، لتضع مكانها تصورًا جديدًا: التكرار المنتظم يفوق الشدة أهميةً.

الدراسة لا تكتفي بالحديث عن جودة النوم فحسب، بل تربط النشاط البدني بتوازن الحالة النفسية. فالمشاركون الذين التزموا بالحركة اليومية أبدوا درجات أعلى من الإيجابية والنشاط العقلي صباحًا، حتى دون أن يغيروا نمط نومهم الكلي. الأمر هنا لا يتعلق فقط بعدد الساعات، بل بتأثير النشاط الجسدي على الإيقاع الداخلي للجسم – ما يُعرف بالساعة البيولوجية.

تشير هذه النتائج إلى أهمية اعتماد مقاربات جديدة في أماكن العمل والمدارس، تقوم على تشجيع الحركة المتكررة خلال ساعات اليوم، بدل الاكتفاء برسائل توعوية عامة حول الرياضة. إدراج فترات قصيرة من النشاط الجسدي في الروتين اليومي قد يكون وسيلة فعالة وغير مكلفة لتحسين النوم، خفض التوتر، وزيادة الإنتاجية.

النوم لم يعد مجرد لحظة للراحة، بل هو مؤشر مركزي على توازن نمط الحياة. والدراسة تؤكد أن الاستثمار في الحركة اليومية، ولو بأبسط أشكالها، يعيد بناء هذا التوازن، ويمنح الجسم والعقل فرصة فعلية للانتعاش والتجدد. إنها دعوة إلى مراجعة علاقتنا بالجسد والزمن… والسر قد يكون في الخطوة التي نظن أنها صغيرة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد