الضحك.. الرياضة الخفية التي تنشّط الدماغ وتحافظ على شبابه

لطالما ارتبط الضحك بالمتعة والترفيه، غير أن الأبحاث الحديثة تكشف أنه يؤدي دوراً أكبر بكثير مما كان يُعتقد. فالعلماء باتوا ينظرون إلى الضحك باعتباره نشاطاً ذهنياً معقداً يشكّل نوعاً من “التمرين العقلي” القادر على تنشيط الدماغ وتحفيز وظائفه المختلفة في وقت واحد.

وتوضح الباحثة البريطانية جاكلين هاردينغ، المتخصصة في نمو الطفل، أن الدماغ لا يضحك بطريقة عفوية وبسيطة كما قد يبدو. فعندما يتعرض الإنسان لموقف فكاهي، تبدأ سلسلة معقدة من العمليات العصبية تشمل تحليل المعلومات وفهم المفارقة وتفسير السياق الاجتماعي واستدعاء الخبرات السابقة، قبل أن يصل الدماغ إلى استنتاج أن الموقف يستحق الضحك.

ويؤكد خبراء الأعصاب أن هذه العملية تحفز مناطق متعددة من الدماغ في آن واحد، بما فيها القشرة الجبهية المسؤولة عن التفكير واتخاذ القرار، والمناطق المرتبطة بالعواطف والذاكرة والحركة. لذلك فإن الضحك لا يُعد مجرد استجابة انفعالية، بل نشاطاً معرفياً متكاملاً يشبه إلى حد كبير التمارين الذهنية التي تهدف إلى تنشيط القدرات العقلية.

ويشير الباحثون إلى أن فهم الدعابة يتطلب قدراً من المرونة الفكرية، لأن الدماغ يضطر إلى التعامل مع أفكار متناقضة أو غير متوقعة ثم إيجاد الرابط بينها. هذه القدرة على الانتقال السريع بين أنماط التفكير المختلفة تعد من أهم المهارات المعرفية المرتبطة بالإبداع وحل المشكلات.

ولا تتوقف فوائد الضحك عند حدود اللحظة الآنية، إذ تشير الدراسات إلى أن الأنشطة التي تحفز الدماغ بصورة منتظمة تساعد في الحفاظ على كفاءته مع التقدم في العمر. ومن هذا المنطلق، يرى بعض العلماء أن الضحك قد يكون أحد أبسط الأساليب اليومية لدعم الصحة المعرفية وتعزيز مرونة الدماغ.

وفي وقت ينشغل فيه كثيرون بالبحث عن وسائل للحفاظ على اللياقة البدنية وصحة القلب، يذكر العلماء بأن الدماغ يحتاج هو الآخر إلى ما يحافظ على نشاطه ومرونته. وقد يكون الضحك أحد أبسط هذه الوسائل وأكثرها متعة. فهو لا يتطلب أجهزة أو أدوية أو برامج تدريب معقدة، بل لحظات من المرح قادرة على تحفيز شبكات عصبية واسعة داخل الدماغ. وبينما تتواصل الأبحاث لفهم أسرار العلاقة بين الفكاهة والصحة العقلية، تبدو رسالة العلماء واضحة: الضحك ليس مضيعة للوقت، بل استثمار حقيقي في صحة الدماغ وقدرته على التعلم والتكيف والإبداع.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد