الأرقام لا تكذب، لكنها لا تقول كل شيء: المشي اليومي بين الحقائق والأساطير
لطالما اعتُبر رقم «10٬000 خطوة في اليوم» معيارًا ذهبيًا في عالم الصحة واللياقة. وُضع هذا الرقم في وجدان الناس كرمز للصحة الجيدة، وكشرط مسبق لمقاومة الأمراض وتحسين اللياقة، حتى بات كثيرون يشعرون بالذنب إن لم يحققوه. لكن الحقيقة أن هذا الرقم لم ينبثق عن دراسة علمية دقيقة، بل تعود جذوره إلى حملة تسويقية في اليابان خلال ستينيات القرن الماضي، حين طُرح عداد للخطى باسم «مانبو كي» والذي يعني حرفيًا «عداد العشرة آلاف خطوة».
اليوم، وفي ضوء المعطيات العلمية الحديثة، يعاد النظر في هذا الرقم الكلاسيكي. فقد أظهرت دراسة بريطانية واسعة النطاق، أجريت على أكثر من 85 ألف مشارك على مدى ست سنوات، أن المشي اليومي بحدود 7٬000 إلى 9٬000 خطوة يحقق الفوائد الصحية الأهم، خاصة في ما يتعلق بتقليل خطر الإصابة بالسرطان. ووفقًا لنتائج هذه الدراسة، فإن بلوغ عتبة 9٬000 خطوة يوميًا يقلل من خطر الإصابة بالأورام بنسبة تصل إلى 16٪ مقارنة بمن لا يتجاوزون 5٬000 خطوة، بينما لا يضيف تجاوز هذا العدد فائدة صحية ملموسة.
دراسة أخرى نُشرت حديثًا في مجلة «Health» الأمريكية، اعتمدت على بيانات نحو 96 ألف شخص، أظهرت أن المشي المنتظم في حدود 7٬000 إلى 10٬000 خطوة يوميًا يخفض من احتمالات الإصابة بأعراض الاكتئاب بنسبة 30٪، مع تأثير متصاعد حتى عتبة 10٬000، ليبدأ بعدها بالتراجع التدريجي.
هذه المعطيات تُجمع على نقطة محورية: ليس عدد الخطوات بحد ذاته ما يصنع الفرق، بل انتظام الحركة، جودتها، وملاءمتها للحالة الصحية لكل فرد. فالأشخاص الأكبر سنًا، أو من يعانون من أمراض مزمنة، قد يستفيدون من 5٬000 خطوة فقط، إذا تمت بوتيرة معتدلة وثابتة. وفي المقابل، من يمارس نشاطًا بدنيًا متنوعًا (كركوب الدراجة، أو السباحة، أو تمارين القوة) قد لا يحتاج إلى التقيّد بعدد معين من الخطوات يوميًا.
في المحصلة، لم يعد الرقم 10٬000 مقدسًا ولا مرجعًا علميًا. بل بات من الأجدى إعادة تعريف العلاقة مع الحركة اليومية بعيدًا عن الأرقام الصارمة. فالصحة لا تُقاس بعدّاد رقمي، بل بتوازن شامل بين النشاط والراحة، بين الجهد والاعتدال، وبين ما هو مثالي وما هو واقعي وممكن.
فاطمة الزهراء عاشور