الدهون الزائدة والسرطان: خطر صامت يتسلّل باكرًا
في واحدة من أوسع الدراسات الوبائية التي أجريت مؤخرًا في أوروبا حول العلاقة بين السمنة والإصابة بالسرطان، كشفت بيانات حديثة من المملكة المتحدة عن معطى علمي مقلق: الدهون الزائدة في الجسم لا تنتظر تفاقم الحالة الصحية لتبدأ آثارها، بل تشكّل عامل خطر مبكر ومباشر لعدد من أنواع السرطان، حتى في غياب أعراض ظاهرة أو أمراض مزمنة مصاحبة.
الدراسة، التي شملت بيانات ما يقارب نصف مليون شخص من المشاركين في مشروع UK Biobank، تابعت وضعهم الصحي لأكثر من 11 عامًا، وتمكّنت من رصد أكثر من 47 ألف حالة إصابة بالسرطان. المفاجأة كانت أن خطر الإصابة لم يكن مقتصرًا على من يعانون من السمنة المفرطة المصحوبة بأمراض معروفة مثل السكري أو الكبد الدهني، بل تبيّن أن حتى من يعانون من ما يُعرف بـ”السمنة الصامتة” – أي تراكم الدهون دون تشخيص سريري – معرضون بدرجة أكبر للإصابة بأورام سرطانية.
في هذه المرحلة المبكرة، التي وصفها الباحثون بـ”السمنة ما قبل السريرية”، يرتفع خطر الإصابة بسرطان البنكرياس بنسبة تقارب 20%. وإذا تطوّرت الحالة إلى سمنة سريرية مترافقة مع اختلالات أيضية، فإن هذا الخطر قد يرتفع إلى 45%، بحسب ما خلصت إليه الدراسة المنشورة في مايو 2025 في مجلة eClinicalMedicine.
وأشارت النتائج إلى ارتباط السمنة المبكرة بـ11 نوعًا مختلفًا من السرطان، منها سرطان الكبد، القولون، الكلى، المريء، والغدة الدرقية، فضلًا عن سرطان الثدي لدى النساء بعد انقطاع الطمث. أما في الحالات المتقدمة من السمنة، فقد شمل التأثير أيضًا سرطانات الرئة والرحم.
فما السرّ في هذا الترابط بين الدهون والسرطان؟ تكمن الإجابة في الدهون الحشوية التي تتراكم عميقًا داخل الجسم، خصوصًا في البطن، والتي تختلف عن الدهون السطحية المعروفة. هذه الدهون لا تكتفي بتخزين الطاقة، بل تفرز مركّبات التهابية تضعف المناعة وتخلق بيئة مناسبة لتحوّل الخلايا إلى خلايا خبيثة. كما تسهم في رفع مستويات الإنسولين وتعطيل التوازن الهرموني، خاصة من خلال زيادة إنتاج هرمون الإستروجين، وهو ما يعزّز فرص نمو بعض الأورام.
ويشدّد الخبراء على ضرورة تجاوز المقاييس التقليدية مثل مؤشر كتلة الجسم (BMI)، لصالح مؤشرات أكثر دقة، مثل محيط الخصر، مستويات الدهون في الكبد، ومقاومة الإنسولين. فهذه المعايير تتيح رصد الخطر قبل فوات الأوان.
الوقاية، كما تشير الدراسة، تبدأ من أسلوب الحياة: غذاء متوازن، نشاط بدني منتظم، نوم كافٍ، وتجنّب الأنماط الغذائية المفرطة في السكر والدهون المشبعة. أما على المستوى المجتمعي، فقد دعت مؤسسات صحية ألمانية إلى تدابير أكثر جرأة، منها فرض ضرائب على الأغذية المسببة للسمنة، وتقييد الإعلانات الموجّهة للأطفال، في محاولة للحد من ما بات يُعرف طبيًا بـ”السرطان المرتبط بالسمنة”.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالمظهر أو الوزن فحسب، بل بصحة خفية تتآكل بصمت. فالدهون الزائدة، التي تُستهان بها في كثير من الأحيان، قد تكون شرارة مبكرة لمسار خبيث لا تُكتشف عواقبه إلا بعد فوات الأوان.
فاطمة الزهراء عاشور