تمديد عطلة الأمومة في الجزائر: خطوة صحية واجتماعية ترسّخ كرامة الأم وتوازن الأسرة

في مشهد يعكس التقاء الإرادة السياسية بالمسؤولية الصحية والاجتماعية، عرض وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، فيصل بن طالب، يوم الأربعاء 11 جوان 2025، أمام لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتضامن الوطني بمجلس الأمة، مشروع قانون يقضي بتمديد عطلة الأمومة إلى خمسة أشهر كاملة، أي 150 يوماً متواصلاً، بدل 98 يوماً المعمول بها حالياً، مع الإبقاء على تعويض كامل بنسبة 100% من الأجر.

القرار، الذي يندرج في إطار التزامات رئيس الجمهورية وتنفيذ توجيهاته الصادرة عن اجتماع مجلس الوزراء في 9 فيفري 2025، لا يكتفي بتوسيع المدة الزمنية لعطلة الأمومة، بل يتجاوزها إلى تكريس رؤية اجتماعية عميقة تراعي البعد الصحي والإنساني للأم العاملة. إذ يفتح النص التشريعي المجال لتمديد إضافي قدره 50 يوماً في حال ولادة طفل يعاني من إعاقة أو مرض خطير، مع إمكانية تمديد ثانٍ قد يبلغ 165 يوماً، بناءً على تقرير طبي مفصل. بهذا، لا تُمنح الأم فسحة زمنية فحسب، بل تُمنح أيضاً فسحة إنسانية للتعافي، والاعتناء، والتكيّف، بعيداً عن ضغط الزمن المهني ومخاوف المستقبل المالي.

في هذا التعديل، تقرأ ملامح سياسة اجتماعية صحية الطابع، تعتبر الأمومة ليس فقط حالة بيولوجية، بل تجربة نفسية وجسدية معقّدة تستوجب دعماً مؤسساتياً صلباً. فالفترة ما بعد الولادة ليست مرحلة استراحة فقط، بل مرحلة حرجة على المستويين الصحي والنفسي، تتطلب رعاية مزدوجة: للأم كما للرضيع، بما يضمن بناء علاقة أسرية متماسكة منذ اللحظة الأولى.

الوزير ذكّر من جهته بالمسار التاريخي الثابت للدولة الجزائرية في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، منذ توقيعها سنة 1962 على اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بحماية الأمومة، إلى غاية إصلاحات 1983 التي منحت عطلة أمومة تفوق الحد الأدنى الدولي، وتواصل اليوم تعزيز هذا المسار بخطوات نوعية تعكس تطور النظرة إلى دور المرأة في الحياة العامة.

ولعل الأرقام خير شاهد على فعالية هذا المسار: عدد المستفيدات من عطلة الأمومة ارتفع من 94 ألف سنة 2013 إلى 131 ألف سنة 2024، فيما تضاعفت النفقات من 9.8 مليار دينار إلى 26.5 مليار دينار، ما يبرهن على التزام فعلي من الدولة بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، لا بوصفها سياسة ظرفية، بل رؤية استراتيجية للاستقرار المجتمعي.

مشروع القانون الجديد لا يضيف مجرد امتياز إداري للمرأة العاملة، بل يُعد ترجمة ملموسة لفلسفة العدالة الاجتماعية في بعدها الصحي، حيث تتحول العناية بالأم إلى ركيزة من ركائز الأمن الصحي الوطني. وهو بهذا المعنى يتجاوز الطابع الاجتماعي ليؤسس لمنظور شمولي تتقاطع فيه قيم الكرامة الإنسانية مع أهداف التنمية المستدامة.

وفي زمن تتراجع فيه السياسات الاجتماعية في كثير من الدول، تبرز الجزائر بمنظومتها للضمان الاجتماعي كاستثناء إقليمي يُحسب له: عطلة أمومة تفوق المعيار الدولي، تعويض مالي كامل، تغطية طبية شاملة، وتكريس قانوني لخصوصية المرأة في مسارها الأسري والمهني.

بهذا التعديل، تؤكد الدولة أن حماية الأسرة تبدأ من تمكين الأم، وأن العدالة الصحية ليست امتيازاً يُمنح، بل حق يُصان، في مجتمع يضع الإنسان في قلب المعادلة التنموية.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد