الأغذية العضوية وصحة الدماغ: ما الذي تقوله الذاكرة عن ما نأكله؟
في زمنٍ تتسارع فيه خطى الشيخوخة السكانية وتتراجع فيه الذاكرة أمام ضغط العمر ونمط الحياة، تبرز دراسة علمية جديدة لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحاً: هل لما نأكله علاقة بما نتذكّره؟
في بحث نُشر مؤخراً في المجلة الأوروبية للتغذية، كشف باحثون من جامعة الطب الجنوبي في الصين عن وجود ارتباط لافت بين استهلاك الأغذية العضوية وتحسّن الأداء الإدراكي لدى كبار السن. النتائج، التي استندت إلى تحليل بيانات مستفيضة من دراستين صحيتين مرجعيتين، أشارت إلى أن كبار السن الذين يُدرجون المنتجات العضوية في نظامهم الغذائي بانتظام يتمتعون بذاكرة أكثر حدة وقدرات ذهنية أكثر تماسكاً من نظرائهم الذين يعتمدون على الأغذية التقليدية.
ليست هذه النتائج عابرة أو محصورة بجنس دون آخر، إلا أن الباحثين لاحظوا بشكل خاص أن النساء اللواتي يتناولن الأغذية العضوية أظهرن انخفاضاً بنسبة 20% في خطر الإصابة بما يُعرف بـ “الاختلال المعرفي الخفيف”، وهي المرحلة التي تسبق عادةً ظهور أمراض التنكّس العصبي كألزهايمر. هذه الحالة تتمثل في تراجع ملحوظ في القدرة على التذكّر والتركيز والتفكير، يتجاوز ما هو معتاد مع التقدّم في السن، لكنه لا يصل بعد إلى حدّ إرباك الحياة اليومية.
لكن ما الذي يمنح الأغذية العضوية هذه الأفضلية؟ يرجّح العلماء أن الفارق يكمن في غناها بمركّبات طبيعية واقية، كالبوليفينولات والأحماض الدهنية من نوع أوميغا-3، وهي عناصر تُعرف بخصائصها المضادة للالتهاب والمؤثّرة إيجاباً على صحة الدماغ. وإذ تُنتج هذه المركّبات بكميات أكبر في الأغذية العضوية نتيجة غياب المبيدات والأسمدة الكيميائية، فإن لها أثراً تراكمياً ينعكس مع الزمن على سلامة الجهاز العصبي.
رغم ذلك، تبقى الدراسة حذرة في استنتاجاتها. فقد تم الاعتماد على البيانات المُصرّح بها ذاتياً من قبل المشاركين بشأن عاداتهم الغذائية، مما قد يحدّ من دقة القياسات. كما أن الطابع الرصدي للبحث لا يسمح بالجزم بوجود علاقة سببية مباشرة. من هنا، يدعو الباحثون إلى إجراء تجارب سريرية طويلة الأمد، تُقارن بشكل منهجي بين الأنظمة الغذائية العضوية والتقليدية، وتأخذ بعين الاعتبار الفروقات البيولوجية بين الرجال والنساء.
إن هذه النتائج، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التثبيت، تفتح نافذة أمل في معركة صامتة تدور داخل أدمغة ملايين الأشخاص حول العالم. فبين كل ما يُفقد مع التقدم في العمر، تبقى الذاكرة أثمن ما يمكن الحفاظ عليه. ويبدو أن أحد مفاتيح هذه الحماية قد يكون على مقربة منّا، على رفوف الخضار والفاكهة، مختبئاً في ثمرة نمت بعيداً عن الكيمياء، وقريباً من الطبيعة.
فاطمة الزهراء عاشور