ارتجاج الدماغ يترك آثارًا طويلة المدى: دراسة تكشف تغيرات في بنية الدماغ وتدفق الدم بعد الإصابة
ليس كل ارتجاج في الرأس يمرّ دون أثر. حتى بعد زوال الأعراض الظاهرة، قد يواصل الدماغ تغيّره في صمت. هذا ما كشفته دراسة حديثة نُشرت في مجلة Neurology، حيث رصد باحثون أمريكيون تغيّرات مستمرة في بنية المادة البيضاء وتدفّق الدم الدماغي لدى أشخاص تعرّضوا لارتجاج، مقارنة بحالتهم العصبية قبل الإصابة.
لأول مرة، تمكن فريق علمي من تتبع هذه التغيّرات باستخدام صور بالرنين المغناطيسي المتقدمة، التُقطت قبل الإصابة وبعدها، ما أتاح فهمًا غير مسبوق لاستجابة الدماغ للصدمات. النتائج أظهرت أن ردّة فعل الدماغ تختلف من شخص إلى آخر، وأن البنية العصبية الفردية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد شدة التأثّر بالارتجاج.
أجريت الدراسة على مجموعة من الرياضيين الجامعيين في الولايات المتحدة، اختيروا لأنهم خضعوا بالفعل لتصوير دماغي دقيق قبل تعرّضهم لأي إصابة. وبعد حدوث ارتجاج لدى البعض منهم، أُعيد فحص أدمغتهم، فظهرت تغيّرات واضحة في المادة البيضاء وتدفّق الدم في مناطق محددة من القشرة الدماغية. والأهم، أن هذه التغيرات لم تكن عشوائية، بل مرتبطة ببنية الدماغ الأصلية قبل الإصابة.
هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام نهج جديد في الطب العصبي، حيث يمكن أن تُؤخذ الخصائص العصبية الفردية بعين الاعتبار لتقييم خطورة الإصابة وسبل الوقاية منها. فبعض الأدمغة، وفق الدراسة، أكثر هشاشة أمام الصدمات، حتى وإن بدت الإصابة “خفيفة”.
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل تزايد القلق العالمي من آثار الصدمات الدماغية المتكررة، لا سيما في الرياضات التي تشهد احتكاكًا بدنيًا مكثفًا، وتعيد فتح النقاش حول بروتوكولات “العودة إلى اللعب”، التي قد لا تراعي الفروقات الفردية في بنية الدماغ.
ويأمل الباحثون أن تساهم هذه النتائج في تطوير أدوات تشخيص أكثر دقة، وخطط علاجية وقائية شخصية، مما يعزز فرص التدخل المبكر ويقلل من المضاعفات العصبية طويلة الأمد.
فالدماغ، كما يبدو، لا ينسى الارتجاج… حتى إن ظننا نحن العكس.
مالك سعدو