اللقاحات أنقذت 154 مليون شخص: خمسة عقود من النجاحات ومخاطر التراجع

كشفت مجلة Nature العلمية أن اللقاحات أنقذت ما يقارب 154 مليون شخص على مستوى العالم خلال الخمسين سنة الماضية، أي بمعدل إنقاذ حياة واحدة كل ثلاث ثوانٍ. هذا الرقم الضخم يعكس القوة الهائلة للعلم والتقدم الطبي في حماية البشرية من أمراض فتاكة كانت في الماضي تحصد أرواح الملايين.

لكن، ورغم هذه النجاحات، يحذر خبراء الصحة من تحديات جدية تهدد التقدم المحرز. انتشار المعلومات المضللة، وتراجع الثقة في المؤسسات الصحية، بالإضافة إلى ضعف التمويل في بعض المناطق، كلها عوامل تهدد بتراجع معدلات التلقيح، وعودة أمراض كان يُعتقد أنها أصبحت جزءاً من الماضي.

من أبرز الأمثلة على هذا التراجع، عودة مرض الحصبة للانتشار في عدة مناطق، بما في ذلك دول متقدمة مثل الولايات المتحدة، حيث سُجلت مئات الحالات مؤخراً، إلى جانب وفيات مأساوية لأطفال غير مُلقحين. ورغم أن لقاح الحصبة متوفر منذ عام 1963 وأدى إلى تقليص كبير في الإصابات عالمياً، فإن تحقيق المناعة الجماعية يتطلب نسبة تلقيح لا تقل عن 95%. واليوم، في عدد من الدول، بدأت هذه النسبة تتراجع.

في المقابل، يظهر العالم نجاحًا شبه كامل في محاصرة شلل الأطفال، الذي كان يصيب أكثر من نصف مليون شخص سنويًا في منتصف القرن العشرين. واليوم، لم يبقَ هذا الفيروس مستوطنًا إلا في بلدين فقط، بفضل جهود التطعيم المكثفة على مدى عقود.

بحسب الدراسة، فإن معظم الأرواح التي تم إنقاذها تعود إلى لقاحات الطفولة الأساسية، وعلى رأسها لقاح الحصبة. ومع ذلك، فإن الباحثين يؤكدون أن توسيع نطاق التلقيح العالمي، حتى بدون تطوير لقاحات جديدة، يمكن أن ينقذ من مليون إلى مليوني شخص إضافيين سنويًا.

لكن التحديات تتراكم: فالتراجع في ثقة الناس، وتنامي الحركات المناهضة للتلقيح، والتفاوت بين الدول في الحصول على اللقاحات، قد يقوّض التقدم الذي تحقق بصعوبة على مدى نصف قرن.

تُظهر هذه المعطيات أن اللقاحات لا تزال واحدة من أعظم أدوات الصحة العامة في العصر الحديث، وقد أنقذت أرواحًا تفوق عدد سكان دول بأكملها. غير أن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب يقظة دائمة، واستثمارًا مستمرًا، وتعاونًا دوليًا، إضافة إلى مجابهة حازمة لحملات التضليل التي تزرع الشك وتُهدد مستقبل أجيال بأكملها.

في عالم متغير، لا ينبغي أن يكون الحق في الحماية من الأمراض خيارًا، بل ضرورة عالمية لا تقبل التراجع.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد