من الوقاية إلى السيادة الصحية: الجزائر تعيد رسم معادلة العمل الآمن
في رسالة سياسية وصحية واضحة، تحوّل إحياء اليوم العالمي للسلامة والصحة في العمل، هذا الثلاثاء 28 أفريل 2026، إلى منصة لإبراز توجه جديد للدولة الجزائرية يقوم على جعل الوقاية من المخاطر المهنية ركيزة مركزية في السياسات العمومية، بدل الاكتفاء بالتدخل العلاجي التقليدي.
فبدعوة من وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، شارك وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، في مراسم رسمية احتضنها المركز العائلي للصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الأجراء بالعاصمة، بحضور شخصيات برلمانية ونقابية وممثلين عن منظمات دولية وإقليمية، في مشهد يعكس الطابع متعدد القطاعات لهذا الملف.
وفي كلمته، شدد وزير الصحة على أن هذا اليوم، الذي أقرّته منظمة العمل الدولية، لم يعد مجرد مناسبة رمزية، بل يشكّل لحظة تقييم جماعي لمدى الالتزام بحماية صحة العمال وترسيخ ثقافة الوقاية داخل المؤسسات. واعتبر أن العامل لم يعد فقط عنصر إنتاج، بل هو محور التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يفرض إعادة ترتيب الأولويات الصحية وفق هذا المنظور.
وأبرز الوزير التحول المفاهيمي في التعامل مع طب العمل، مؤكداً أنه لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح أداة استراتيجية لمواجهة الأمراض المزمنة التي تثقل كاهل الاقتصاد الوطني، وعلى رأسها الأمراض المرتبطة بظروف العمل، بما فيها السرطانات المهنية. وفي هذا السياق، تقوم المقاربة الجديدة على الكشف المبكر عن المخاطر، عبر التقييم الاستباقي لبيئة العمل، والمراقبة الطبية الدورية للعمال، وتتبع التعرض المهني للمواد الخطرة، خاصة المسرطنة منها، إلى جانب تحسين ظروف العمل والحد من عوامل الخطر داخل المؤسسات.
كما أشار إلى صدور المرسوم التنفيذي رقم 26-143 المؤرخ في 30 مارس 2026، والمتعلق بحماية العمال من مخاطر التعرض للرصاص ومركباته، معتبراً إياه خطوة نوعية لسد فراغ تنظيمي وتزويد أطباء العمل بإطار واضح لمتابعة الفئات المعرضة. ويعكس هذا الإجراء توجهاً نحو تنظيم أدق لبيئة العمل، من خلال تحديد معايير وطنية وحدود التعرض المهني، وتعزيز أنظمة الرقابة الصحية والبيئية، بالتنسيق مع قطاعات العمل والبيئة والطاقة والصناعة.
وفي سياق متصل، تعمل وزارة الصحة على إعداد مخطط وطني استراتيجي للصحة في الوسط المهني للفترة 2026–2030، يرتكز على مقاربة تشاركية متعددة القطاعات، بهدف توحيد الرؤية الوطنية، وتحيين الأطر القانونية والتنظيمية، وتعزيز نظم المعلومات والرصد، مع وضع إجراءات عملية قابلة للتنفيذ على المديين القريب والمتوسط.
وأكد الوزير أن هذه الجهود لن تكتمل دون تنسيق وثيق مع وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، باعتبارها شريكاً أساسياً في ترقية الصحة المهنية، مشيراً إلى العمل الجاري لدعم قدرات أطباء العمل، وتحديث ممارسات المراقبة الطبية، ونشر ثقافة الوقاية داخل المؤسسات.
وفي ختام كلمته، شدد على أن الاستثمار في صحة العمال هو استثمار في مستقبل الوطن، معتبراً أن الوقاية من المخاطر المهنية ليست عبئاً، بل خياراً استراتيجياً يحقق مكاسب اقتصادية واجتماعية مستدامة، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى إعادة صياغة علاقتها ببيئة العمل على أسس أكثر أماناً وإنصافاً.
مريم عزون