الدكتور عبد القادر مسعدي: “الجلوكوما خطر صامت يستدعي الكشف المبكر”

يعدّ الجلوكوما (المياه الزرقاء) أحد الأسباب الرئيسية للعمى في العالم، حيث يصيب الملايين من الأشخاص دون أن يدركوا ذلك إلا بعد فوات الأوان. هذه الحالة المرضية، التي تتميز بتلف تدريجي وغير قابل للشفاء في العصب البصري، تمثل تحديًا طبيًا كبيرًا، سواء من حيث التشخيص المبكر أو سبل العلاج.

بمناسبة الأسبوع العالمي للجلوكوما، التقينا بالدكتور عبد القادر مسعدي، أخصائي طب العيون، للحديث عن أشكال هذا المرض، التطورات العلاجية، والتحديات التي تواجه الجزائر في سبيل التكفل الأمثل بالمرضى.

أنواع الجلوكوما وصعوبات التشخيص

يوضح الدكتور مسعدي أن الجلوكوما هو اعتلال عصبي بصري يؤدي إلى فقدان تدريجي ودائم لألياف العصب البصري، وعادةً ما يرتبط بارتفاع ضغط العين، رغم وجود حالات تصيب المرضى ذوي الضغط العيني الطبيعي، وهي الأخطر نظرًا لصعوبة التحكم بها عبر العلاجات التقليدية.

ويضيف أن هناك أشكالًا مختلفة للجلوكوما، أبرزها الجلوكوما الأولي مفتوح الزاوية، وهو الأكثر انتشارًا عالميًا، حيث يمثل السبب الثاني للعمى. تكمن خطورته في كونه مرضًا صامتًا، إذ لا تظهر الأعراض إلا بعد فقدان نسبة كبيرة من ألياف العصب البصري، مما يجعل التشخيص المبكر بالغ الأهمية.

أما الجلوكوما الأولي مغلق الزاوية، فيُعدّ نادرًا، لكنه يظهر بشكل مفاجئ مع أعراض حادة مثل آلام شديدة في العين، تراجع حاد في الرؤية، واحمرار العين، ما يستدعي تدخلًا طبيًا طارئًا. كما يمكن كشفه مبكرًا لدى المرضى ذوي العيون الصغيرة أو الذين يعانون من مدّ النظر الشديد، حيث يمكن إجراء علاج وقائي عبر الليزر قبل حدوث المضاعفات.

من جهة أخرى، هناك الجلوكوما الخلقي، وهو نادر جدًا ويظهر عند حديثي الولادة بسبب تشوهات خلقية تمنع تصريف السائل داخل العين، مما يؤدي إلى تضخم العين وزيادة إفراز الدموع مع حساسية شديدة للضوء، ما يستدعي تدخلًا جراحيًا عاجلًا.

أما الجلوكوما الثانوي، فينتج عن أمراض أخرى مثل الاستخدام المطوّل للكورتيكويدات، التهابات العين الداخلية، أو الإصابات العينية. وفي هذه الحالات، يكون العلاج معقدًا، ويعتمد على تخفيض ضغط العين بوسائل مختلفة.

التحديات العلاجية وآفاق البحث

يشير الدكتور مسعدي إلى أن أبرز التحديات في علاج الجلوكوما تكمن في تشخيصه المتأخر، مما يستدعي تعزيز حملات الفحص المبكر، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل كبار السن، أصحاب التاريخ العائلي للمرض، المصابين بقصر النظر الشديد، ومرضى السكري وارتفاع ضغط الدم.

وعلى الرغم من التطورات العلاجية، لا تزال جميع الأدوية المتاحة تهدف فقط إلى خفض ضغط العين، مما يشكل تحديًا في الحالات غير المرتبطة بارتفاع الضغط. كما يعاني المرضى من صعوبة الالتزام بالعلاج، إما بسبب عدم ملاحظتهم لتحسن فوري، أو بسبب الآثار الجانبية للأدوية.

أما على صعيد الأبحاث، فيُبذل جهد كبير لتطوير أدوية تحمي العصب البصري من التلف، إضافة إلى دراسة العلاج الجيني كحل مستقبلي محتمل.

دور نمط الحياة والتوعية في الوقاية

رغم عدم وجود دليل قاطع على تأثير نمط الحياة في تطور الجلوكوما، إلا أن الدراسات تشير إلى دور بعض العوامل في تفاقم المرض، مثل التوتر، التدخين، والاستهلاك المفرط للكافيين والملح. في المقابل، يُنصح باتباع نظام غذائي غني بمضادات الأكسدة وأحماض أوميغا 3 المتوفرة في الأسماك والمكسرات، إلى جانب ممارسة النشاط البدني المنتظم.

على صعيد التوعية، يؤكد الدكتور مسعدي على أهمية الحملات الإعلامية المستمرة، مشيرًا إلى ضرورة إشراك الأطباء العامين في إحالة المرضى الأكثر عرضة للخطر إلى الفحوصات الدورية، كما يمكن للصيادلة وأخصائيي البصريات المساهمة في كشف الحالات غير المشخصة.

التكفل بالجلوكوما في الجزائر.. بين الإنجازات والتحديات

يقرّ الدكتور مسعدي بأن الجزائر قطعت أشواطًا كبيرة في تحسين الخدمات الطبية، حيث لم يعد مرضى العيون يواجهون فترات انتظار طويلة كما كان الحال سابقًا، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، لا سيما في المناطق الداخلية التي تفتقر إلى أخصائيي العيون والمعدات المتطورة.

كما يشير إلى إشكالية غياب الاعتراف بالجلوكوما كمرض مزمن من طرف صناديق الضمان الاجتماعي، ما يجعل تكاليف العلاج عبئًا على المرضى، ويدعو السلطات إلى إعادة النظر في هذا الملف لضمان تكفل أفضل بالمصابين.

في الختام، يشدد الدكتور مسعدي على أن الجلوكوما مرض صامت يتطلب يقظة دائمة، وأن الحل الوحيد للحدّ من آثاره الكارثية هو التشخيص المبكر، الالتزام بالعلاج، وتعزيز الوعي المجتمعي حول خطورته.
مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد