الجلوكوما.. الخطر الصامت الذي يهدد البصر

يعدّ الجلوكوما من أخطر الأمراض العينية التي تؤدي إلى فقدان البصر بشكل تدريجي ودائم، ما يجعله السبب الرئيسي الثاني للعمى في العالم. خطورته تكمن في تطوره الصامت، حيث لا تظهر أعراضه إلا بعد أن يكون الضرر قد أصبح غير قابل للعلاج. غير أن الكشف المبكر والمتابعة الطبية المنتظمة يمكن أن يبطئا من تفاقمه ويحافظا على الرؤية لأطول فترة ممكنة. وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور جلال أبركان، أستاذ طب العيون ورئيس الجمعية الجزائرية للجلوكوما، أن هذا المرض يُعرف بـ”سارق البصر الصامت” لأنه يتطور دون أن يلاحظه المريض حتى يصل إلى مراحل متقدمة.

يشير البروفيسور أبركان إلى أن الجلوكوما يؤثر على العصب البصري، حيث يبدأ بفقدان الرؤية الطرفية بشكل تدريجي، لكن الدماغ يعوض هذا النقص، مما يجعل المريض غير مدرك لوجود مشكلة حتى تتأثر الرؤية المركزية. في تلك المرحلة، تكون الأضرار قد أصبحت غير قابلة للعكس، وهو ما يجعل الكشف المبكر ضروريًا. ارتفاع ضغط العين هو العامل الرئيسي في الإصابة، لكنه ليس الوحيد، إذ تلعب العوامل الوراثية دورًا مهمًا، حيث يكون الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي مع المرض أكثر عرضة للإصابة.

ويضيف البروفيسور أن السن يمثل أيضًا عاملًا مهمًا، إذ يزداد خطر الإصابة بعد سن الأربعين ويتضاعف بعد الستين. بعض الفئات العرقية، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا، تواجه أنواعًا أكثر عدوانية من الجلوكوما. إضافة إلى ذلك، فإن الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم تزيد من احتمالية الإصابة، كما أن الأشخاص الذين يعانون من قصر نظر شديد أو طول نظر مفرط يكونون أكثر عرضة للخطر.

يشدد البروفيسور أبركان على أن الكشف المبكر هو الوسيلة الأهم لمكافحة الجلوكوما. الفحوصات الطبية الأساسية تشمل قياس ضغط العين، فحص العصب البصري بالتصوير البصري المقطعي، وتحليل مجال الرؤية. كما تساعد تقنيات أخرى مثل قياس سماكة القرنية وفحص زاوية تصريف السوائل داخل العين على تشخيص المرض بدقة. ويوصي الأطباء بإجراء فحوصات كل سنتين إلى ثلاث سنوات بعد سن الأربعين، وكل سنة بعد الستين، بينما يحتاج الأشخاص المعرضون للخطر إلى فحوصات أكثر تواترًا. أما في حالة تشخيص المرض، فيصبح من الضروري متابعة الحالة بانتظام، وفقًا لمدى تقدمها.

رغم عدم وجود علاج نهائي للجلوكوما، يؤكد البروفيسور أبركان أن هناك وسائل فعالة للحد من تطوره والحفاظ على البصر. العلاج الأولي يعتمد على القطرات العينية التي تخفض ضغط العين، وهو خيار يتطلب التزامًا صارمًا من المريض لضمان فعاليته. في بعض الحالات، يمكن اللجوء إلى العلاج بالليزر لتحسين تصريف السوائل داخل العين وتقليل الضغط. أما إذا استمر تدهور الحالة، فقد يكون التدخل الجراحي ضروريًا للحفاظ على مستوى معين من الرؤية.

وفيما يتعلق بالوضع في الجزائر، يوضح البروفيسور أبركان أن الجلوكوما يشكل مشكلة صحية عامة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة انتشاره بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 40 عامًا تبلغ حوالي 4.6%، لكن هذا الرقم قد يكون أقل من الواقع بسبب نقص الفحوصات المنتظمة. كثير من المرضى يتم تشخيصهم في مراحل متأخرة، مما يقلل من فعالية التدخل العلاجي. غياب الوعي بأهمية الفحوصات الدورية، إلى جانب قلة المراكز المتخصصة في بعض المناطق، يزيدان من تعقيد الوضع.

للوقاية من الجلوكوما، ينصح البروفيسور أبركان بضرورة الفحص المبكر، خاصة لمن لديهم عوامل خطر، إضافة إلى اتباع نمط حياة صحي يساعد على تعزيز صحة العصب البصري. التغذية المتوازنة الغنية بمضادات الأكسدة، ممارسة الرياضة بانتظام، وتجنب الاستخدام غير المراقب للأدوية التي تحتوي على الكورتيكوستيرويدات، كلها عوامل قد تقلل من احتمالية تطور المرض. كما أن حماية العين من الصدمات والتقليل من التعرض المفرط للشاشات الإلكترونية قد يكون لهما دور في الحفاظ على صحة البصر.

يظل الجلوكوما تحديًا صحيًا عالميًا، لكن الكشف المبكر والالتزام بالعلاج يمكن أن يحدّا من آثاره. ومع تزايد الوعي المجتمعي وتعزيز برامج الفحص الدوري، يمكن تقليل تأثير هذا المرض الصامت الذي لا يزال أحد أخطر التهديدات لصحة العيون.
مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد