العنف ضد الأطفال: معضلة الكشف عن الحقيقة وآليات المواجهة
تعد إساءة معاملة الأطفال من الظواهر المقلقة التي تشهدها جميع المجتمعات، بما في ذلك مجتمعنا. تتنوع أشكال العنف الممارس ضد الأطفال بين الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى الإهمال، وهي أشكال تترك آثارًا مدمرة يمكن أن تلاحق الضحايا مدى الحياة. في هذا السياق، أجرت جريدة الصحة (esseha.dz) مقابلة مع البروفيسور كَلتوم مساحلي، رئيسة قسم الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي بالبليدة، لتسليط الضوء على الجوانب الطبية والقانونية والاجتماعية لهذه الظاهرة.
إصابات متنوعة وأشكال متعددة من العنف
توضح البروفيسور مساحلي أن العنف ضد الأطفال يظهر من خلال أشكال متعددة تشمل الإصابات الجسدية مثل الكدمات، الحروق، الجروح، الكسور، وحتى النزيف في الحالات القصوى. وتقول: “غالبًا ما تكون هذه الإصابات نتيجة لاعتداءات بدنية مثل الضرب بالأيدي أوالأرجل، أو استخدام أدوات حادة، أو حتى رمي الأطفال بعنف على أسطح صلبة”.
تشير البروفيسور إلى أن العنف داخل الأسرة يشكل الغالبية العظمى من الحالات التي تصل إلى القسم. ومع ذلك، يمكن للعنف أن يحدث أيضًا في المدارس أو دور الحضانة. وأوضحت أن المشكلة الأساسية تكمن في الكشف عن هذه الحالات، لأن بعض الأشكال من العنف قد تخفي أخرى، مما يعقد التشخيص الطبي ويتطلب يقظة وخبرة مهنية للكشف عن معاناة الأطفال.
العنف النفسي والإهمال: آثار عميقة
تُبرز البروفيسور مساحلي صعوبة اكتشاف العنف النفسي وتأثيره الكبير على التطور العاطفي للطفل. وأشارت إلى أن “الإقصاء، والإهمال، والتقليل من قيمة الطفل أو تحقيره يمكن أنتؤدي إلى عواقب نفسية خطيرة تظهر في الطفولة، أو خلال المراهقة وحتى في سن البلوغ منخلال سلوكيات مضادة للمجتمع مثل الإدمان، والتشرد، والانتحار”.
الإهمال، بدوره، يُعد من أكثر أشكال العنف شيوعًا. وتطرقت البروفيسور إلى أمثلة ملموسة مثل وضع الأطفال في ظروف خطيرة كالتسول أو تركهم دون مراقبة، ما يؤدي إلى حوادث منزلية مميتة. وتؤكد: “يجب التركيز على توعية الآباء بمسؤولياتهم وتعزيز الرقابة لضمانسلامة الأطفال”.
عوائق التبليغ والحاجة إلى تكوين طبي خاص
تُعتبر صعوبة كشف العنف ضد الأطفال من أبرز التحديات التي تواجه الأطباء والمجتمع على حد سواء. وتوضح البروفيسور: “غالبًا ما يتم التقليل من حجم هذه الحوادث أو التستر عليها،خاصة عندما يحدث العنف داخل الأسرة. هنا يأتي دور الطبيب للكشف عن علامات الإنذاروتقديم التشخيص الدقيق للحالات”.
وتؤكد أهمية تكوين الأطباء على الكشف عن علامات الإساءة وإعدادهم للإبلاغ القانوني وفق ما ينص عليه القانون 11-18 المتعلق بالصحة، الذي يلزم الأطباء بالإبلاغ عن حالات العنف ضد الفئات الهشة، خصوصًا الأطفال. تضيف: “هذه الخطوة القانونية تتيح بدء تحقيقات رسميةوضمان حماية الطفل”.
التوعية المجتمعية وتعزيز الآليات الوقائية
تدعو البروفيسور مساحلي إلى تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية حماية الأطفال. وتشير إلى الحاجة إلى شبكة متعددة التخصصات تشمل الأطباء، الأخصائيين النفسيين، الجهات القانونية، والمجتمع المدني لتقديم الدعم للأطفال ضحايا العنف. وتشدد على أهمية إنشاء آليات تحذيرية داخل مؤسسات استقبال الأطفال مثل المدارس ودور الحضانة.
وفيما يتعلق بالتشريعات، ذكرت أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي صادقت على اتفاقية حقوق الطفل عام 1992، كما عززت الإطار القانوني لحمايتهم من خلال القانون 15-12 لعام 2015 المتعلق بحماية الطفل، بالإضافة إلى النصوص العقابية الصارمة ضد المعتدين على الأطفال.
العنف الرقمي: تحديات جديدة
في سياق حديثها، تطرقت البروفيسور إلى أشكال جديدة من العنف مثل الاستغلال الرقمي للأطفال وانتشار الجرائم السيبرانية. وتقول: “من الضروري مواجهة هذه التحديات من خلالوضع سياسات لحماية الأطفال من المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي وتعزيز الرقابةالأسرية”.
نحو مجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية
تختم البروفيسور مساحلي بتأكيدها على أن مسؤولية حماية الأطفال تقع على عاتق الجميع، داعية إلى وعي جماعي حول خطورة العنف وآثاره المستدامة على صحة ونفسية الأجيال الصاعدة.
مريم عزون