التمارين الرياضية المكثفة: هل تطيل العمر بدلاً من تقصيره؟

أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة British Journal of Sports Medicine وأُجريت بالتعاون بين باحثين أستراليين وكنديين، أن التمارين الرياضية المكثفة لا تقصّر العمر كما كان يُعتقد سابقًا، بل قد تساهم في إطالة الحياة. هذه النتائج جاءت لتفند الاعتقاد السائد بأن الضغط الجسدي المفرط، خصوصًا في مجال الرياضة التنافسية، قد يؤدي إلى مشاكل صحية تقلل من متوسط العمر المتوقع.

اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 200 من أوائل الرياضيين الذين تمكنوا من قطع مسافة ميل (حوالي 1.6 كيلومتر) في أقل من أربع دقائق، وهو إنجاز رياضي فريد حققه لأول مرة السير روجر بانيستر في عام 1954. وقد توفي بانيستر في عام 2018 عن عمر يناهز 88 عامًا، وهو عمر متقدم قد يوحي بأن الضغط الجسدي الشديد الذي تعرض له خلال حياته المهنية لم يؤثر سلبًا على صحته أو يقلل من عمره.

ركزت الدراسة على هؤلاء الرياضيين الذين شاركوا في سباقات بين عامي 1954 و1974، وهم جميعًا من دول مثل بريطانيا، الولايات المتحدة، أستراليا، ونيوزيلندا. وبينت النتائج أن هؤلاء الرجال الذين تمكنوا من الجري لمسافة ميل في أقل من أربع دقائق عاشوا في المتوسط 4.7 سنوات أكثر مما كان متوقعًا بالنسبة لأعمارهم وجنسهم وظروفهم. وهذا يُظهر أن الرياضة، حتى على المستوى التنافسي العالي، يمكن أن تكون مفيدة للصحة وليس لها تأثيرات سلبية على طول العمر.

ما يميز هذه الدراسة هو أنها لم تكتفِ فقط بفحص أعمار الرياضيين عند الوفاة، بل قامت أيضًا بتحليل سجلاتهم الطبية لمعرفة ما إذا كانت هناك أمراض أو حالات صحية أثرت على حياتهم. ومن بين 200 رياضي شملتهم الدراسة، توفي 60 فقط، وكان متوسط عمرهم عند الوفاة 73 عامًا، مع تراوح أعمارهم بين 24 و91 عامًا. في حين أن الرياضيين الباقين على قيد الحياة كان متوسط أعمارهم 77 عامًا.

وعلى الرغم من أن الدراسة قدمت نظرة تفاؤلية حول تأثير التمارين الشاقة على طول العمر، إلا أن هناك بعض المحدوديات. فلم تكن هناك معلومات متاحة حول عادات التمارين التي اتبعها هؤلاء الرياضيون بعد إنجازاتهم الكبرى أو مدى تأثير عوامل أخرى مثل التغذية أو التدخين أو الأمراض القلبية. كما شملت الدراسة الرجال فقط، حيث لم تتمكن أي امرأة حتى الآن من قطع مسافة الميل في أقل من أربع دقائق، مما يجعل النتائج غير قابلة للتعميم على جميع الرياضيين.

في النهاية، تقدم هذه الدراسة رسالة مشجعة للرياضيين ولأولئك الذين يرغبون في الحفاظ على نشاط بدني مكثف. فالتمارين الرياضية، حتى في مستوياتها الشديدة، لا تضر بالصحة كما كان يُعتقد، بل على العكس، قد تساهم في إطالة العمر وتحسين جودة الحياة. لكن من الضروري دائمًا اتباع توجيهات الأطباء أو المتخصصين في الطب الرياضي لضمان عدم التعرض لمخاطر صحية خلال التدريب.

بناءً على هذه النتائج، يُشدد الباحثون على أهمية التمارين الرياضية المعتدلة والمكثفة في تعزيز الصحة العامة وزيادة العمر المتوقع. ويشيرون إلى أن التدريب الهوائي والتمارين القلبية تُعزز بشكل كبير من قدرات الجهاز القلبي الوعائي وتزيد من احتمالات الحياة الطويلة والصحية، شرط أن يتم ممارستها بطريقة آمنة ومدروسة.

في النهاية، تُظهر هذه الدراسة أن الحفاظ على اللياقة البدنية والتمارين المنتظمة، سواء كانت معتدلة أو مكثفة، هو مفتاح أساسي لحياة أطول وأكثر صحة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد