إفريقيا تحتاج إلى ملايين الأطباء والممرضين.. ونحو مليون مهني صحي دون عمل
في وقت تعاني فيه المستشفيات والمراكز الصحية الإفريقية نقصاً حاداً في الأطباء والممرضين، يجد مئات الآلاف من المهنيين الصحيين المؤهلين أنفسهم دون عمل. مفارقة تعكس أزمة تتجاوز نقص الكفاءات لتطرح إشكالية أكثر تعقيداً تتعلق بقدرة الأنظمة الصحية على توظيف الموارد البشرية المتاحة والاستفادة منها، بينما يواجه ملايين المرضى صعوبات في الوصول إلى الخدمات الطبية.
وكشفت المجلة الطبية البريطانية British Medical Journal (BMJ)، في مقال نشرته يوم 19 أكتوبر 2026، أن نحو مليون مهني صحي في إفريقيا يوجدون خارج سوق العمل، رغم حاجة المنطقة إلى ملايين العاملين الإضافيين في القطاع. واستند المقال إلى تصريحات خبراء خلال القمة العالمية للصحة في برلين، وإلى معطيات منظمة الصحة العالمية التي قدرت عدد المهنيين الصحيين المؤهلين العاطلين عن العمل في إقليمها الإفريقي بنحو 943 ألف شخص سنة 2024، في حين يُتوقع أن يبلغ العجز في القوى العاملة الصحية 5.85 ملايين مهني بحلول عام 2030.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا ترتبط بعدد خريجي كليات الطب ومعاهد التكوين الصحي وحده، وإنما تشمل أيضاً محدودية مناصب التوظيف وعدم التوازن في توزيع العاملين بين المناطق والمؤسسات الصحية. فبعض البلدان تواصل تكوين أعداد متزايدة من الأطباء والممرضين، لكنها تواجه صعوبات في إدماجهم ضمن مؤسساتها الصحية، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على الميزانيات العمومية وضعف الموارد المخصصة للتوظيف.
ووفق تقرير منظمة الصحة العالمية حول القوى العاملة الصحية في إفريقيا لسنة 2026، بلغ عدد العاملين في القطاع الصحي نحو 5.72 ملايين شخص سنة 2024، غير أن هذه الزيادة لم تواكب الاحتياجات المتنامية للسكان. كما أن توفر مهنيين مؤهلين لا يعني بالضرورة إمكانية توظيفهم، إذ تحتاج المؤسسات الصحية إلى تمويل مستدام يسمح بفتح المناصب وضمان الأجور وتوفير التجهيزات وظروف العمل المناسبة.
ولا تتوزع الكفاءات الصحية بصورة متوازنة بين المناطق، حيث تواجه المؤسسات الموجودة في الأرياف والمناطق النائية صعوبات أكبر في استقطاب الأطباء والممرضين والاحتفاظ بهم. وتضاف إلى ذلك هجرة بعض المهنيين نحو الخارج بحثاً عن فرص مهنية وأجور أفضل، ما يزيد الضغط على الأنظمة الصحية التي استثمرت في تكوينهم دون أن تتمكن دائماً من الاستفادة من خبراتهم.
وتنعكس هذه الاختلالات مباشرة على المرضى، من خلال طول فترات الانتظار للحصول على الاستشارات الطبية، والضغط المتزايد على الأطقم العاملة، وصعوبة الوصول إلى بعض التخصصات، خاصة خارج المدن الكبرى. كما تؤثر محدودية الموارد البشرية على جهود الوقاية والكشف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة، وهي خدمات تحتاج إلى حضور منتظم ومستمر للمهنيين الصحيين.
وأمام اتساع هذه الأزمة، اعتمد وزراء الصحة الأفارقة في أوت 2026 أجندة إقليمية تمتد إلى سنة 2035، تستهدف تكوين وتوظيف واستبقاء ثلاثة ملايين مهني صحي إضافي. ويقوم هذا التوجه على ضرورة تجاوز السياسات التي تركز على زيادة أعداد المتخرجين فقط، نحو تخطيط يربط التكوين بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات الصحية، مع تحسين ظروف العمل وتوفير الموارد المالية اللازمة لاستحداث مناصب دائمة.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات مهمة بالنسبة إلى الجزائر أيضاً، خصوصاً ما يتعلق بالتوازن بين أعداد المتخرجين من مؤسسات التكوين الطبي وشبه الطبي واحتياجات القطاع، ومدى عدالة توزيع الكفاءات بين الولايات. فوجود أطباء وممرضين مؤهلين لا يكفي لضمان خدمات صحية متاحة للجميع إذا لم تتوفر آليات تسمح بتوظيفهم وتوجيههم نحو المناطق والمؤسسات التي تحتاج إليهم.
وتؤكد الأزمة التي تناولتها المجلة الطبية البريطانية أن تحسين الرعاية الصحية لا يقاس بعدد الأطباء والممرضين الذين يتم تكوينهم فقط، بل بقدرة السياسات العمومية على تحويل هذه الكفاءات إلى خدمات فعلية يستفيد منها السكان. وبين البطالة في صفوف المهنيين الصحيين والنقص الذي تعانيه المستشفيات، تبرز الحاجة إلى معالجة الاختلالات في التمويل والتوظيف والتوزيع، حتى لا يستمر حرمان المرضى من الرعاية في وقت تبقى فيه كفاءات مؤهلة خارج المؤسسات الصحية.
مريم عزون