العالم يتجه للتخلي عن حشوات الأسنان المحتوية على الزئبق بحلول 2034.. ماذا عن الجزائر؟

تتجه حشوات الأسنان المعدنية التقليدية، التي يعرفها كثيرون باسم «البلومباج»، نحو الاختفاء من عيادات طب الأسنان عبر العالم، بعد اتفاق دولي على التخلص التدريجي من استخدام الحشوات المحتوية على الزئبق بحلول سنة 2034. ويأتي هذا التوجه في وقت أصبحت فيه الحشوات البيضاء المصنوعة من مواد حديثة بديلاً متداولاً في علاج تسوس الأسنان، ما يطرح تساؤلات حول واقع استخدام الحشوات القديمة في الجزائر، والمخاطر المرتبطة بها، وما إذا كان الأشخاص الذين يحملونها بحاجة إلى استبدالها.
وأعلنت منظمة الصحة العالمية، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، عن تسريع الجهود الدولية للتخلي عن حشوات الأسنان المحتوية على الزئبق، بمناسبة اجتماع تحتضنه العاصمة السنغالية داكار من 19 إلى 22 أكتوبر، بمشاركة أكثر من 75 خبيراً ومسؤولاً في مجالي الصحة والبيئة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ويأتي الاجتماع تنفيذاً لقرار اتخذته الدول الأطراف في اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق سنة 2025، يقضي بالتخلص التدريجي من استخدام هذه الحشوات بحلول عام 2034، بعدما كانت الجهود الدولية تركز أساساً على تقليص استعمالها.
وتحتوي الحشوات المعدنية التقليدية، التي استُخدمت في طب الأسنان لأكثر من 175 سنة، على نحو 50 بالمائة من الزئبق، إلى جانب معادن أخرى. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن المخاوف المرتبطة بها لا تقتصر على احتمال التعرض للزئبق أثناء تركيب الحشوات أو إزالتها، بل تشمل أيضاً التلوث البيئي الناجم عن التخلص غير السليم من مخلفاتها، خصوصاً عندما تصل إلى المياه والتربة.
ورغم التقدم المسجل في تطوير البدائل، تكشف معطيات المنظمة أن الانتقال نحو الاستغناء عن هذه الحشوات لا يزال متفاوتاً بين البلدان. ففي سنة 2024، لم تتجاوز نسبة البلدان التي حققت هدف تقليص استخدامها أو التخلص منها 13 بالمائة في الإقليم الإفريقي لمنظمة الصحة العالمية، مقابل 31 بالمائة على المستوى العالمي.
وفي الجزائر، أصبحت الحشوات البيضاء المصنوعة من الراتنجات المركبة، المعروفة باسم «الكومبوزيت»، من الخيارات المتداولة في عيادات طب الأسنان، لما توفره من مظهر قريب من اللون الطبيعي للأسنان، فضلاً عن تطور خصائصها العلاجية. غير أن انتشار هذه المواد لا يعني بالضرورة اختفاء الحشوات المعدنية نهائياً، في غياب بيانات وطنية حديثة تسمح بتحديد مدى استمرار استخدامها في القطاعين العام والخاص.
وكانت الجزائر قد انضمت إلى اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق في نوفمبر 2022، ما يجعل الانتقال نحو البدائل الخالية من الزئبق جزءاً من الالتزامات البيئية والصحية التي يتعين تجسيدها من خلال التدابير الوطنية المناسبة. ولا يتعلق الأمر باستبدال مادة علاجية بأخرى فحسب، بل يشمل أيضاً تكوين المهنيين وتوفير البدائل الملائمة وتنظيم جمع النفايات المحتوية على الزئبق والتخلص منها بطريقة آمنة.
لكن الإعلان عن التخلي عن هذه الحشوات قد يثير مخاوف لدى الأشخاص الذين لا يزالون يحملون حشوات معدنية قديمة. وفي هذا الشأن، تؤكد التوصيات الطبية أن وجود حشوة تحتوي على الزئبق لا يستدعي إزالتها تلقائياً إذا كانت سليمة ولا توجد إصابة بالتسوس تحتها. وتحذر الهيئات الصحية من أن نزع حشوة سليمة دون ضرورة علاجية قد يؤدي إلى فقدان جزء من بنية السن السليمة، فضلاً عن زيادة مؤقتة في التعرض لأبخرة الزئبق أثناء عملية الإزالة.
أما البدائل الحديثة، وفي مقدمتها الحشوات المركبة والإسمنت الزجاجي الشاردي، فتتيح خيارات علاجية خالية من الزئبق، على أن يحدد طبيب الأسنان المادة الأنسب تبعاً لموقع السن وحجم التسوس وطبيعة الحالة.
وتبرز تجربة السنغال، التي تقدمها منظمة الصحة العالمية ضمن المشاريع النموذجية، أهمية الجمع بين تغيير الممارسات العلاجية والتدابير البيئية. فقد شملت التجربة تكوين مهنيي صحة الفم والأسنان وتركيب أجهزة مخصصة لفصل مخلفات الحشوات المعدنية عن المياه المستعملة، بهدف الحد من تسرب الزئبق إلى البيئة.
وبالنسبة للجزائر، فإن السؤال الذي تطرحه هذه التطورات لم يعد يقتصر على مدى انتشار الحشوات البيضاء في عيادات طب الأسنان، وإنما يمتد إلى معرفة ما إذا كان التراجع المحتمل في استخدام الحشوات المعدنية يرافقه تنظيم فعال للتعامل مع مخلفاتها. فالتخلص من الزئبق في طب الأسنان لا يكتمل بمجرد التوقف عن استعماله في الحشوات الجديدة، بل يتطلب أيضاً ضمان عدم انتقاله من كرسي العلاج إلى البيئة المحيطة.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد