الفيضانات والتغيرات المناخية تضع جاهزية المنظومة الصحية أمام تحديات متزايدة
مع تزايد المخاطر الصحية المرتبطة بالكوارث الطبيعية والظواهر المناخية المتطرفة، تتعزز الحاجة إلى الانتقال من التدخل بعد وقوع الأزمات إلى الاستعداد المسبق لها، من خلال تطوير قدرات المؤسسات الصحية وتحسين التنسيق مع مختلف أجهزة الحماية والإنقاذ. وهي الرهانات التي شكلت محور ورشة إقليمية احتضنتها قسنطينة، اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بمشاركة مهنيين وفاعلين في مجال الصحة العمومية.
وحذّر المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية، البروفيسور يزيد عودية، خلال افتتاح أشغال الورشة الإقليمية حول المخاطر الصحية المرتبطة بالكوارث، من تنامي التهديدات التي تفرضها الكوارث الطبيعية على صحة السكان، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تزيد من حدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة وتضاعف انعكاساتها الصحية.
وأوضح عودية، خلال اللقاء الذي نظمه المعهد عبر المرصد الجهوي للصحة لولايات الشرق، أن مواجهة هذه المخاطر لم تعد تقتصر على التكفل بالمصابين أثناء وقوع الكارثة، بل تتطلب استعداداً مسبقاً يقوم على تقييم التهديدات المحتملة، وتنسيق التدخلات الميدانية، وتعزيز قدرات مهنيي الصحة على التعامل مع حالات الطوارئ.
واحتلت مخاطر الفيضانات حيزاً مهماً من مداخلته، بالنظر إلى طبيعة التهديدات التي قد ترافق التساقطات المطرية خلال فصل الخريف. فالفيضانات، إلى جانب ما قد تخلفه من إصابات وخسائر بشرية، يمكن أن تتسبب في تلوث مصادر مياه الشرب وتعطل شبكات الصرف الصحي، ما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه، فضلاً عن تهيئة ظروف ملائمة لتكاثر بعض النواقل المسببة للأمراض.
وفي هذا السياق، دعا المدير العام للمعهد الوطني للصحة العمومية إلى اتخاذ تدابير وقائية وعملية لمواجهة هذه الاحتمالات، مع التشديد على أهمية اليقظة الصحية والكشف المبكر عن المخاطر الوبائية المحتملة، خصوصاً في المناطق المعرضة للفيضانات.
كما تطرق إلى التحديات التي تطرحها الزلازل وحرائق الغابات والأوبئة، مؤكداً أن فعالية الاستجابة لهذه الأزمات ترتبط بمدى جاهزية المؤسسات الصحية وقدرتها على العمل بالتنسيق مع أجهزة الإغاثة والإنقاذ. وأبرز، في هذا الصدد، الدور الذي يضطلع به الأطباء ومختلف مهنيي الصحة، سواء في تقديم الإسعافات العاجلة أو في المساهمة في الوقاية والرصد والاستجابة السريعة.
وتسعى الورشة الإقليمية إلى توحيد المعارف والممارسات المهنية بين العاملين في القطاع الصحي بولايات الشرق، وتبادل الخبرات المتعلقة بتسيير الأزمات والحد من آثارها على السكان، فضلاً عن تعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية والجهات المعنية بالتدخل أثناء الكوارث.
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن التداعيات الصحية للكوارث لا تنتهي بالضرورة بانحسار الفيضانات أو السيطرة على الحرائق، إذ قد تستمر المخاطر المرتبطة بتلوث المياه، واضطراب الخدمات الصحية، وانتشار بعض الأمراض خلال المراحل اللاحقة.
ومن هذا المنطلق، تطرح أشغال قسنطينة مسألة تتجاوز الاستجابة الظرفية للطوارئ، وتتعلق بمدى قدرة المنظومة الصحية على استباق الأزمات وضمان استمرارية الخدمات الأساسية أثناء الكوارث وبعدها، بما يجعل الوقاية والتنسيق والجاهزية عناصر دائمة في سياسات الصحة العمومية.
مريم عزون