الإنفلونزا الموسمية.. لماذا ينصح الأطباء بعدم تأخير التلقيح هذا العام؟
مع اقتراب فصل الشتاء، يفضل بعض الأشخاص انتظار انخفاض درجات الحرارة أو ظهور أولى حالات الإنفلونزا قبل التفكير في التلقيح. غير أن المختصين يحذرون من أن هذا التأخير قد يترك الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات دون حماية خلال بداية انتشار الفيروس، خاصة أن الجسم يحتاج إلى نحو أسبوعين بعد التطعيم لتطوير استجابة مناعية واقية. وتكتسي هذه المسألة أهمية مع استعداد الجزائر لإطلاق حملة التلقيح ضد الإنفلونزا الموسمية لموسم 2026-2027، ابتداء من 27 أكتوبر الجاري.
وجاء تحديد موعد الحملة في تعليمة لوزارة الصحة مؤرخة في 11 أكتوبر 2026، وجهت إلى المصالح الصحية عبر الولايات، بهدف ضمان الاستعداد التنظيمي وتوفير اللقاحات قبل انطلاق العملية. ومن المقرر الشروع في توزيع الجرعات انطلاقاً من 21 أكتوبر، مع إعطاء الأولوية للأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، وفي مقدمتهم المسنون والمصابون بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل ومهنيو الصحة.
ويأتي هذا الاستعداد في وقت أثارت فيه المعطيات الصحية البريطانية اهتمام المختصين، بعدما أظهرت مؤشرات المراقبة الوبائية نشاطاً مبكراً نسبياً لفيروس الإنفلونزا خلال سبتمبر الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من السنوات الأربع السابقة. ورغم أن مستويات الانتشار لا تزال منخفضة نسبياً، فإن هذه الملاحظات أعادت طرح أهمية التلقيح قبل بداية الموجة الموسمية، بدلاً من الانتظار إلى حين ارتفاع عدد الإصابات.
غير أن هذه المعطيات تخص المملكة المتحدة، ولا تعني بالضرورة أن موسم الإنفلونزا سيبدأ مبكراً في الجزائر أو أنه سيكون أشد خطورة من المواسم السابقة. فانتشار الفيروسات التنفسية يختلف من بلد إلى آخر، ويتأثر بعوامل متعددة، بينها الظروف المناخية وأنماط الاختلاط بين السكان وطبيعة السلالات المتداولة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن أفضل توقيت للتلقيح يكون قبل بداية موسم انتشار الإنفلونزا، لأن المناعة لا تتكون مباشرة بعد الحقن، بل تحتاج عادة إلى نحو أسبوعين. ولهذا فإن الحصول على اللقاح مع انطلاق الحملة يمنح الجسم فرصة لتطوير الحماية قبل اشتداد النشاط الفيروسي، خاصة لدى الأشخاص الذين قد يتعرضون لمضاعفات خطيرة في حال الإصابة.
وتشمل هذه الفئات الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فما فوق، والمصابين بأمراض القلب والرئتين والسكري وبعض الأمراض المزمنة الأخرى، إضافة إلى النساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة. كما يكتسي تلقيح العاملين في القطاع الصحي أهمية خاصة، بالنظر إلى احتمال تعرضهم المتكرر للفيروس ونقله إلى المرضى الأكثر هشاشة.
ولا يعني التلقيح أن الإصابة بالإنفلونزا تصبح مستحيلة، إذ تختلف فعالية اللقاح بحسب العمر والحالة الصحية ومدى تطابق السلالات الموجودة فيه مع الفيروسات المنتشرة. لكنه يساهم في تقليل خطر الإصابة بالمضاعفات الشديدة والاستشفاء، وهو ما يجعله إحدى الوسائل الأساسية للوقاية، خصوصاً لدى الفئات المعرضة للخطر.
ويؤكد المختصون أن الحاجة إلى تجديد التلقيح سنوياً ترتبط بالتغير المستمر الذي يطرأ على فيروسات الإنفلونزا، إلى جانب تراجع الحماية المناعية بمرور الوقت. ولذلك يجري تحديث تركيبة اللقاحات الموسمية بصورة منتظمة لمواكبة السلالات المتوقع انتشارها.
كما لا ينبغي اعتبار فوات موعد انطلاق الحملة سبباً للتخلي عن التلقيح، إذ يمكن أن يظل مفيداً خلال موسم انتشار الفيروس، وفق التوصيات الطبية. غير أن المبادرة المبكرة تمنح فرصة أفضل للاستفادة من الحماية قبل بلوغ النشاط الوبائي ذروته.
ومع اقتراب انطلاق الحملة الوطنية، يبقى الرهان الأساسي هو وصول اللقاح في الوقت المناسب إلى الفئات التي تحتاج إليه أكثر من غيرها، إلى جانب توعية المواطنين بأهمية الوقاية. فالإنفلونزا قد تكون مرضاً عابراً لدى كثير من الأشخاص، لكنها قد تتسبب في مضاعفات خطيرة لدى المسنين والحوامل والمصابين بأمراض مزمنة، ما يجعل الاستعداد المبكر أكثر أهمية من انتظار ظهور الأعراض أو انتشار العدوى.
مريم عزون