الرصاص.. سمّ خفي يهدد أدمغة ملايين الأطفال دون أعراض ظاهرة

قد يبدو الطفل بصحة جيدة، ويلعب ويدرس بصورة طبيعية، بينما يتعرض في حياته اليومية لمادة سامة يمكن أن تؤثر تدريجياً في نمو دماغه وقدرته على التعلم والتركيز. فالـرصاص، الذي قد يوجد في بعض الدهانات القديمة والغبار الملوث والأواني غير المطابقة للمعايير الصحية، لا يتسبب دائماً في أعراض واضحة، لكن تأثيراته على الجهاز العصبي قد تستمر لسنوات، خصوصاً عندما يحدث التعرض خلال المراحل الأولى من الطفولة.

وتكشف تقديرات أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بالتعاون مع منظمة «بيور إيرث» سنة 2020، أن نحو 800 مليون طفل عبر العالم، أي ما يقارب طفلاً من كل ثلاثة، كانت لديهم مستويات من الرصاص في الدم تعادل أو تتجاوز خمسة ميكروغرامات لكل ديسيلتر. ورغم أن هذه الأرقام لا تمثل حصيلة جديدة لسنة 2026، فإنها تعكس حجم مشكلة صحية يصعب اكتشافها في كثير من الأحيان، بسبب غياب العلامات المرضية المبكرة.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من عدم وجود مستوى معروف من التعرض للرصاص يمكن اعتباره آمناً تماماً، خاصة لدى الأطفال الذين لا يزال جهازهم العصبي في طور النمو. فحتى التعرض لكميات منخفضة قد يرتبط باضطرابات في القدرات الذهنية والانتباه والسلوك، بينما يمكن أن تؤدي الحالات الأكثر خطورة إلى فقر الدم وتضرر الكلى ومضاعفات عصبية شديدة.

ولا يحتاج الطفل بالضرورة إلى التعامل المباشر مع مادة الرصاص حتى يتعرض لها. فقد يصل هذا المعدن إلى جسمه عن طريق الغبار المتراكم داخل المنازل القديمة المحتوية على دهانات رصاصية، أو التربة الملوثة قرب بعض الأنشطة الصناعية، أو استعمال أوانٍ فخارية مطلية بمواد تحتوي على الرصاص. كما حذرت الهيئات الصحية من وجوده في بعض مستحضرات التجميل التقليدية والمنتجات الملوثة، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بإعادة تدوير بطاريات السيارات بطرق غير آمنة.

ويكون الأطفال الصغار أكثر عرضة لهذه المخاطر بسبب اعتيادهم وضع أيديهم والأشياء المختلفة في أفواههم، إضافة إلى قدرة أجسامهم على امتصاص نسبة أكبر من الرصاص مقارنة بالبالغين. وقد يزيد نقص بعض العناصر الغذائية، مثل الحديد والكالسيوم، من قابلية الجسم لامتصاص هذا المعدن، وهو ما يجعل الأطفال الذين يعانون سوء التغذية أكثر هشاشة أمام آثاره.

وتكمن صعوبة التسمم بالرصاص في أن المشكلات المرتبطة به قد لا تظهر على شكل مرض واضح يستدعي العلاج الفوري، بل يمكن أن تنعكس تدريجياً على نمو الطفل وتحصيله الدراسي وسلوكه. وفي بعض الحالات، قد تُفسَّر صعوبات التركيز أو التعلم بعوامل تربوية أو نفسية، دون الانتباه إلى احتمال وجود تعرض بيئي لمادة سامة.

ومع اقتراب الأسبوع الدولي للوقاية من التسمم بالرصاص، المقرر من 18 إلى 24 أكتوبر 2026، تجدد منظمة الصحة العالمية دعوتها إلى الانتقال من مجرد التعرف على حالات التعرض إلى إزالة مصادر التلوث ومنع استمرارها. وتركز الجهود الدولية بصورة خاصة على التخلص من الدهانات المحتوية على الرصاص، وتعزيز الرقابة على المنتجات والأنشطة التي قد تعرض الأطفال لهذا المعدن.

لكن حماية الأطفال لا تتوقف عند القرارات التنظيمية، إذ يمكن للعائلات الحد من بعض المخاطر عبر تنظيف الغبار المنزلي بطرق تقلل انتشاره، وغسل أيدي الأطفال بانتظام، وإبعادهم عن أماكن إعادة تدوير البطاريات ومخلفات الأنشطة الصناعية، وتجنب المنتجات والأواني مجهولة التركيب عندما توجد أسباب تدعو للشك في سلامتها.

أما عند الاشتباه في تعرض طفل للرصاص، فإن تحليل الدم يسمح بقياس مستوى هذا المعدن وتوجيه التقييم الطبي، إلى جانب البحث عن مصدر التلوث والعمل على إزالته. ويشدد المختصون على أهمية عدم انتظار ظهور أعراض واضحة إذا كان التعرض معروفاً أو مرجحاً، لأن بعض الأضرار العصبية قد تحدث قبل أن تلاحظ الأسرة تغيرات في الحالة الصحية للطفل.

وتعيد هذه التحذيرات تسليط الضوء على جانب بالغ الأهمية من صحة الأطفال، يتمثل في أن بعض المخاطر لا تأتي من الأمراض المعدية أو الاضطرابات الوراثية، وإنما من البيئة التي يعيش فيها الطفل والأشياء التي يلامسها يومياً. وقد تمر سنوات قبل اكتشاف الآثار المترتبة على التعرض للرصاص، بينما يمكن تجنب الكثير منها إذا جرى التعرف على مصادر التلوث وإزالتها في الوقت المناسب.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد